تاريخ النقد الأدبي العربي: تحليلٌ وتركيب.
ملخص تاريخ النقد عند العرب إحسان عباس
يُعد كتاب "تاريخ النقد الأدبي عند العرب" لإحسان عباس من أهم الكتب مرجعاً تأسيسياً أكاديمياً بامتياز، حيث استعرض النقد لدى أهم الدارسين والمقدمين في تراثنا العربي، وراقب التتبع الزمني من الأصمعي إلى ابن خلدون، وقد أوضح المؤلف منهجه بقوله: "كان لا بد لي من الاستقصاء في المصادر، المطبوع منها والمخطوط على السواء، والاحتكام إلى أساس شمولي في النظرة الكلية إلى ذلك الكيان".
إحسان عباس (1920-2003) يعد من أبرز أعلام الدراسات العربية والإسلامية في القرن العشرين، ولقب بـ"شيخ النقاد"، فهو ناقد، محقق، ومؤرخ أدبي، عُرف بكونه موسوعة معرفية جمعت بين دقة المحققين وعمق النقاد.
أبرز القضايا النقدية الكبرى التي تناولها الكتاب:
. قضية الوحدة العضوية للقصيدة: وكيف تطور مفهوم الوحدة من "الرابط النفسي" عند ابن قتيبة إلى "التناسب والتدرج المنطقي" عند ابن طباطبا، وصولاً إلى صورة "التكامل والتناسب" عند حازم القرطاجني.
. العلاقة بين اللفظ والمعنى: ويعرض هنا آراء الجاحظ المتناثرة بين كتبه (البيان والتبيين، والحيوان) التي طرح فيها هذه الإشكالية.
. العلاقة بين الشعر والأخلاق والدين: ويوضح رأي الأصمعي وموقفه الفاصل بين الشعر والدين، بالإضافة إلى مواقف نقاد آخرين من هذه القضية.
. قضية عمود الشعر: فصّل في أركان القصيدة العربية التي اتفق عليها النقاد.
. قضية الصدق والكذب في الشعر: تناول مدى التزام الشاعر بالحقيقة الواقعية " أعذب الشعر أكذبه"
. قضية الطبع والصنعة: ناقش الموازنة بين المطبوع اي الشعر العفوي و الشعر القائم على التكلف.
ويتميز الكتاب بتحليله الشمولي، حيث قدّم النقد كمنظومة فكرية متكاملة أرخت لحركة النقد الأدبي عند العرب، وأعاد الاعتبار للنقد النظري آخذاً بعين الاعتبار النقاد التطبيقيين المعروفين، وينقسم الكتاب إلى عدة فصول رئيسية، تتناول كل منها مرحلة زمنية محددة، راصداً أبرز التحولات والقضايا التي شهدتها هذه العصور:
- النقد في أواخر القرن الثاني (ص 43-59)
يرسم المؤلف هنا صورة أولية للنقد، حيث يرصد القواعد السائدة آنذاك التي اتسمت بالطابع الانطباعي والأخلاقي والنظرة الجزئية للشعر. ومن أبرز هذه القواعد:
· مبدأ اللياقة: وهو معيار أخلاقي واجتماعي يُحاكم الشعر بمقتضاه عوضاً عن قيمته الفنية البحتة.
· مبدأ الجودة: وهو أن تكون صفة الممدوح أو الموصوف في أعلى درجاتها المثالية.
· مبدأ الخضوع للعرف: وهو الاعتماد على بيت شعري مفرد ("سائر") كمقياس للجودة، متجاهلاً وحدة القصيدة.
وهنا يبرز دور العلماء مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي وضع علم العروض مستمداً مصطلحه من حياة البادية، مما وفر أدوات نقدية شكلية أولية. ثم ينتقل الحديث ليخصص الأصمعي ونظريته في "الفحولة" التي ميز بها بين شاعر وآخر.
- المحاولات النقدية في القرن الثالث (ص 63-123)
يظهر هنا أن الوعي النقدي قد تبلور متأثراً بالجدل المعرفي الحاد، وذلك عبر محاولات نقدية متعددة، أبرزها:
· تتبع السرقات الشعرية: وكان من دوافع هذا الاتجاه الاعتقاد بأن دائرة المعاني قد استُنفدت.
· النقد الضمني والاختيارات: وهي تجميع المختارات الشعرية اعتماداً على الذوق الخاص لتعريف القراء بالجيد من الشعر.
· أثر الاعتزال في النقد: يبين المؤلف أن النقد الأدبي قَد وُلِد في أحضان الاعتزال، مفسراً ذلك بدور البلاغة في الإقناع الجدلي، وإيمان المعتزلة بالشعر بصفته وعاءً معرفياً وتراثاً عربياً خالصاً.
- الاتجاهات النقدية في القرن الرابع (ص 125-357)
تمثل هذه الفترة مرحلة النضج والوعي النقدي بامتياز، من خلال تعدد الاتجاهات وتعميق الرؤى:
· ذروة الاهتمام بالسرقات والنقد المقارن: وصل الاهتمام بالسرقات ذروته، وظهرت كتب مثل "الموازنة بين أبي تمام والبحتري" للأمدي.
· تأسيس النقد على المنطق والفلسفة: قام قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر" بتقسيم الشعر إلى عناصر (لفظ، معنى، وزن، قافية) متأثراً بمنطق أرسطي، دون التعمق في مسألة الذوق.
· التمسك بالذوق الفني: يمثل ابن طباطبا في كتابه "عيار الشعر" اتجاهاً معاكساً، حيث ربط جمال الشعر بصدقه الأخلاقي والإنساني.
- النقد الأدبي في القرن الخامس (ص 359-490)
ينتقل المؤلف إلى دراسة النقد في العصر الأندلسي، حيث كانت البيئة مختلفة تمام الاختلاف، إذ اكتفى نقاد الأندلس –على الرغم من ذكائهم كابن شهيد– بومضات ذهنية سريعة، بدلاً من بناء مدارس نقدية منظمة.
- النقد في الأندلس في القرنين السادس والسابع (ص 493-572)
يواصل المؤلف هنا تتبع تطور النقد في الأندلس خلال هذين القرنين، راصداً التحولات والجمود النسبي الذي أصاب الحركة النقدية.
- النقد في مصر والشام والعراق في قرني السادس والسابع (ص 575-612)
يُخصص هذا الفصل لدراسة النقد في المشرق العربي، ومحاولات التجديد التي ظهرت هنا وهناك على الرغم من سيطرة المناهج البلاغية المدرسية.
- النقد الأدبي عند ابن خلدون (ص 613-630)
خصّص المؤلف هذا الفصل ليقدم رؤية ابن خلدون في "مقدمته" التي من خلالها قدم رؤية نقدية أصيلة عبر ربط الظواهر الأدبية بالعمران البشري وتأثير البيئة، مما يؤكد منهج إحسان عباس في دراسة النظريين إلى جانب التطبيقيين.
ويمكن إجمال أهم ما يقدمه الكتاب كمشروع نقدي تأسيسي في نقاط معينه:
1-شمولة النظرة.
2-رصد التفاعل الفكري.
3-النقد كحركة وليس كأحكام ثابتة.
4-أهمية المصطلح.
ومع هذه المكانة الرفيعة التي يحظى بها الكتاب، يمكن الإشارة إلى أنه يمكن قد يؤخذ ببعض المواضع بطغيان التسلسل الزمني...وإجمالاً يظل مادة غزيرة تعلم الدارس ويجعله يفكر في تاريخ النقد.
قلم/ سارة المطيري.
X:sara2_s5
تعليقات
إرسال تعليق