مناهج النقد الأدبي الحديثة: عرضٌ وتحليل.

​ملخص مناهج النقد الحديث وفق رؤية إسلامية وليد قصاب.

يُعد كتاب مرجعاً أكاديمياً مهماً، حيث تميز بطرحه من خلال تسلسل تنظيمي وفق تطور المناهج، ويبين لكل منها المنطلقات وأبرز الملامح والمحاسن وكذلك أهم المآخذ عليها.

يوضح الكتاب أن المناهج النقدية ليست بريئة، لأنها ترتبط بخلافيات إيديولوجية وفكرية، نابعة من تصورات عقدية للكون والحياة والإنسان، كما يشير أيضاً إلى أزمة هذه المناهج والنظريات التي ورثت آفات الغرب، والتي دفعت بعض الدارسين إلى التقليد الأعمى الذي قتل الإبداع وعطل ملكة التفكير النقدي المستقل.

وليد قصاب (1949م) بلاغي وناقد كبير، وأحد أقطاب الأدب الإسلامي، له الكثير من الإسهامات الأدبية والنقدية والبلاغية، وتحقيق التراث، إضافة إلى العديد من المجموعات الشعرية.

يبدأ المؤلف بتشخيص حاد يورد لنا مجموعة من الإشكاليات التي يعاني منها هذا النقد:

-التبعية الفكرية: النقد العربي الحديث مجرد انعكاس للنقد الغربي.

-الغربة الثقافية: هذا النقد هو نتاج حضارة غربية وُضع لدراسة أدب غربي.

-التناقض والعبثية: يشكو النقد الحديث من غموض وعبثية ودكتاتورية، كما أنه بعيد عن طلبة العلم.

-إكراه التقليد: وهو العيش على مائدة الآخر، ويشجع على النسخ والاتكالية.

أولاً: المناهج النقدية التقليدية: وهي التي تدرس النص من الخارج وفق منهج محدد بعينه، وتمتلك أدواتها الخاصة.

  • المنهج التاريخي:

وهو الذي يقوم بدراسة حياة الأديب وسيرته لفهم عمله الأدبي، متأثراً بثلاث عوامل رئيسة هي: الجنس، البيئة، والعصر، كما نجد فيه الالتزام بالموضوعية المبالغ فيها، والنظر إلى الأدب كوثيقة تاريخية تعكس حركة المجتمع آنذاك، ومن أهم المآخذ عليه: قلة الاهتمام بالنص من داخله والتركيز على العوامل الخارجية، طغيان التاريخ على الأدب، تجاهل الخصائص الفردية، وإصدار أحكام تعميمية وقطعية غير مثبتة.

  • المنهج الاجتماعي:

وهو من لب المنهج التاريخي، يدرس علاقة الأدب والمجتمع كعلاقة جدلية (تأثير وتأثر)، ويرى أن الأدب ظاهرةاجتماعية ووظيفته اجتماعية أيضاً، وتضيف الماركسية عامل "وسائل الإنتاج" وأن العامل الاقتصادي كمحدد أساسي للأدب. من أبرز رواد المنهج: ماركس، أنجلز، جورج لوكاتش، لوسيان غولدمان. ومن أبرز المآخذ: أن نظرية الانعكاس الحتمي غير مطردة دائماً، وإخضاع الفن والأدب لأحكام مسبقة وفق معتقدات الناقد، وتحكم الإيديولوجيا في الأحكام النقدية.

  • المنهج النفسي:

وهو مقاربة نقدية أدبية تدرس الأعمال الفنية من خلال إسقاط نظريات علم النفس لدى فرويد (اللاواعي)، ثم أدلر(عقدة النقص) ويونغ (اللاواعي الجمعي) ويسعى إلى كشف الدوافع اللاواعية وراء الإبداع الفني، ومن أهم المآخذ: إرجاع الإبداع إلى الغرائز، التأويل الرمزي المبالغ فيه، إهمال الدور الواقع الاجتماعي، كما أنه يتصف بأحادية النظرة والغلو في اللاوعي.

ثانياً: المناهج الحديثة: وهي التي تعتمد النص في المقام الأول لتفكيك بنيته الداخلية، وتحول السلطة من المؤلف إلى النص.

  • المناهج الشكلانية:

ترفض إخضاع الأدب لعوامل خارجية كالتاريخ وعلم النفس والاجتماع، وتؤكد أن قيمة العمل الأدبي تكمن في شكله الفني واللغوي، لا في مضمونه الفكري أو انعكاسه للواقع. تقوم على فكرة "الأدبية" (ما يجعل النص أدباً) وهواستخدام اللغة بطريقة مغايرة، وتقوم هذه المناهج على عدد من المنطلقات: النظر إلى النص كبنية لغوية جمالية مستقلة، الأفكار ليست هدفاً إنما وسيلة لتوظيف اللغة، غاية الأدب جمالية محضة لا نفعية، رفض ثنائية الشكل والمضمون التقليدية، والقراءة غير الذرائعية.

من أبرز المآخذ عليها: أحادية النظرة، انفصالها المزعوم عن الإيديولوجيا، إلغاؤها للقيم الجمالية، عزلتها عن الواقع والمجتمع، وتجاهل دور القارئ والمؤلف وحصر العملية الإبداعية في اللغة وحدها.

  • البنيوية:

وهي امتداد للشكلانية لكنها أكثر تنظيماً وطموحاً، تسعى لجعل دراسة الأدب علماً دقيقاً على غرار اللسانيات (علم اللغة العام). تستند إلى أفكار فرديناند دو سوسير في اللسانيات ورومان جاكوبسون في الأدب، وتفترض وجود بنيات ثابتة (كالأنساق، الأنظمة، الأزواج المتقابلة) تضبط إنتاج المعنى في النصوص. أبرز ملامحها: التركيز على العلاقات الداخلية، اعتبار الأدب نظاماً من العلامات (سيميائياً)، الفصل بين النص وخارجه، وظهور البنيوية التكوينية كاستثناء.

من أبرز المآخذ التي وردت على المنهج البنيوي: تعريف غامض لمصطلح "البنية" وخلطها بالسيميائية، تفكير مادي صرف ينكر الذات الفاعلة ويحيل كل شيء إلى نظام آلي، إلغاء السببية والتاريخ والتعامل مع النص كآلة لغوية، إقصاءالقيم والأخلاق والإنسان، وادعاء العلمية بينما تقوم على افتراضات فلسفية.

- التفكيكية:

تنسب إلى الفيلسوف جاك دريدا، وتقوم على تشكيك جذري في كل ثنائيات الفكر الغربي (اللفظ/المعنى، الحضور/الغياب، الذات/الآخر). تنفي أيضاً إمكانية الوصول إلى معنى ثابت أو نهائي، لأنه متعدد ومبعثر. أبرز ملامحها: نفي العلاقة المستقرة بين الدال والمدلول (المعنى يتشكل عبر الاختلاف والتأجيل)، قلب الأولويات (كل نص يحمل ماينقض نفسه)، إعطاء سلطة مطلقة للقارئ بصفته صانع المعنى، ورفض النسق والنظام والنظر إلى النص كحقل مفتوح للعب بالعلامات.

أهم المآخذ على التفكيكية: تفكيك كل شيء (العقل، الحقيقة، الأخلاق) مما يؤدي إلى فوضى فكرية، نفي المعنى الموضوعي وإبطال أي حكم نقدي جاد، ازدراء التراث واليقينيات ودعوة هدم الأسس المعرفية، تحويل النقد الأدبي إلى عبث لغوي، ومصادرة العقل والمنطق والوقوع في التناقضات.

إذن ... رغم إقرار المؤلف ببعض الجوانب الإيجابية في بعض هذه المناهج، إلا أنه في الوقت نفسه يرى أن التبعية الأكاديمية لها قد أصابت النقد العربي بالعقم والغربة.

قلم/ سارة المطيري. 

X:sara2_s5

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحديات الناقد المعاصر: عرضٌ وتحليل.

العصر الجاهلي: عرضٌ وتركيب.

علم الأسلوب: عرضٌ وتركيب.