البلاغة تطوّر وتاريخ: عرضٌ وتحليل.

ملخص كتاب البلاغة تطوّر وتاريخ شوقي ضيف. 

​يُعد كتاب البلاغة تطور وتاريخ للدكتور شوقي ضيف مرجعاً أكاديمياً تأسيسياً في تاريخ البلاغة العربية حيث يرصدالعلاقة بين البلاغة وتطور الأدب العربي.

هو أحمد شوقي عبد السلام ضيف (1910-2005) أديب وعالم لغوي وناقد مصري بارز عُرف بمشروعه الموسوعي لتوثيق الأدب العربي الذي غطى جميع مراحله التاريخية.

والكتاب هو ملخص ثمان محاضرات ألقاها في جامعة بيروت على طلاب قسم اللغة العربية بكلية الآداب في تاريخ البلاغة وتطورها، ويقول في مقدمته: "فهيأت لي بذلك فرصتان: الأولى لقاء مجموعة من الشباب الجامعي الذي يعدون مناط آمال ومعقد رجاء، والثانية هي درس بلاغتنا درساً منتظماً بحيث ترتب حياتها على منازل التاريخ، وبحيث تتضح معالم تطورها في كل منزلة من دورة زمنية إلى دورة ومن جيل إلى جيل. وقد عكفت على هذا الدرس أقرأ وأستوعب حتى استقام لي ما ابتغيت بقدر وسعي وجهدي".

المرحلة الأولى: تسجيل الملاحظات من العصر الجاهلي حتى أواخر القرن الثاني الهجري

-العصر الجاهلي: ظهرت البدايات الأولى للملاحظات البلاغية في أسواق الأدب كعكاظ، حيث كان الشعراء يتنافسون ويتناقدون وبرز النابغة الذبياني ناقداً شعرياً حين أبدى ملاحظاته على شعر حسان بن ثابت من حيث اختيار الألفاظ وملاءمتها للمعاني، ثم ظهرت مدرسة زهير بن أبي سلمى التي عُرفت بتنقيح الشعر وتهذيبه.

-عصر صدر الإسلام: كان للقرآن الكريم والسنة النبوية أثر كبير في ازدهار الفصاحة والبلاغة، وبرز عدد من الصحابة بفصاحتهم وبلاغتهم مثل أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم.

-العصر الأموي: ازدهرت الخطابة السياسية والدينية والوعظية، وظهر خطباء مشهورون مثل زياد بن أبيه والحجاج بن يوسف الثقفي وسحبان بن وائل وصحار العبدي.

-العصر العباسي الأول: تطورت البلاغة من خلال دور الكتّاب والشعراء واللغويين، وأسس ابن المقفع مدرسة كتابية متميزة، ورأى أن البلاغة تقوم على الإيجاز ومراعاة مقتضى الحال، وعُرف جعفر بن يحيى البرمكي ببلاغته وعرّف البيان بأنه وضوح الاسم وإحاطته بالمعنى والابتعاد عن التكلف، وفي الشعر ظهر اتجاهان: أحدهما محافظ على الأسلوب القديم، والآخر يعبر عن الحياة الشخصية، وأسهم اللغويون والنحاة أيضاً: أشار الخليل بن أحمد إلى التجنيس والمطابقة، وتحدث سيبويه عن التقديم والتأخير والتعريف والتنكير، وألف أبو عبيدة معمر بن المثنى "مجاز القرآن" وتناول الاستعارة والتشبيه والكناية والالتفات، وكان الأصمعي من أوائل من تحدثوا عن المطابقة والجناس والالتفات.


المرحلة الثانية: التأصيل والتنظير على يد الجاحظ والمعتزلة

تُعد هذه المرحلة من أهم مراحل نشأة البلاغة العربية، وبرز فيها المتكلمون خاصة المعتزلة بسبب اعتمادهم على الجدل والمناظرة ويُعد عمرو بن عبيد أول من قدّم تعريفاً دقيقاً للبلاغة: "تخيير اللفظ في حسن الإفهام"، اطلع المعتزلة على بلاغات الأمم الأخرى كالفرس والهند واليونان، ونقل الجاحظ كثيراً من آرائهم.

جاء بشر بن المعتمر فأكد على ضرورة مطابقة الكلام لأحوال السامعين، وقسّم الكلام إلى منازل تناسب البلغاء واختلاف المتلقين.

أمّا الجاحظ (ت 255هـ) فيُعد المؤسس الحقيقي للبلاغة العربية وجمع في كتابه "البيان والتبيين" آراء العرب وغيرهم، واهتم بفكرة ملاءمة الكلام للمخاطبين، وميّز بين الإيجاز المحمود والمخلّ، وتحدث عن الخصائص الجمالية للألفاظ (جزالة، رقة، عذوبة، ثقل، خفة) وعن تنافر الحروف، تناول الاستعارة والتشبيه والكناية والسجع والمبالغة والاقتباس ولاحظ أن مصطلح "البديع" كان معروفاً ومتداولاً قبله.


المرحلة الثالثة: التدوين المبكر ابن المعتز والبديع

يُعد كتاب "البديع" لابن المعتز (ت 296هـ) من أهم الكتب في تاريخ البلاغة العربية، ألّفه سنة 274هـ ليؤكد أن الشعراء المحدثين لم يسبقوا القدماء إلى فنون البديع بل إن جذورها موجودة في القرآن وكلام العرب الأوائل.

قسم ابن المعتز فنون البديع إلى خمسة أنواع رئيسة: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة (الطباق)، وردّ الأعجاز على ماتقدمها، والمذهب الكلامي، ثم أضاف محسنات أخرى: الالتفات، الاعتراض، الرجوع، الخروج من معنى إلى معنى، تأكيد المدح بما يشبه الذم، تجاهل العارف، الهزل، التضمين، التعريض والكناية، الإفراط في الصفة، حسن التشبيه، لزوم ما لا يلزم، حسن الابتداءات، بذلك نجد أن ابن المعتز أول من أفرد علم البديع بالتصنيف وحدد فنونه بوضوح.


المرحلة الرابعة: التأثر بالفلسفة اليونانية  قدامة بن جعفر والمتفلسفة

شهدت البلاغة العربية تأثراً واضحاً بالفلسفة اليونانية بعد ترجمة كتب أرسطو: تُرجم "فن الشعر" على يد متى بن يونس (ت 328هـ)، وتُرجم "الخطابة" كان لهذه الترجمات أثر في عدد من النقاد، وأبرزهم قدامة بن جعفر (ت337هـ).

في كتابه "نقد الشعر" استمد تعريف الشعر من المنطق الأرسطي: "قول موزون مقفّى يدل على معنى"، وبنى نظريته على أربعة عناصر: اللفظ، والمعنى، والوزن، والقافية، وتحدث عن معايير الجودة والرداءة، ورجّح المبالغة والغلو على الاعتدال متأثراً بأرسطو، وقسّم أغراض الشعر إلى المدح والهجاء والوصف والتشبيه والغزل والفخر والاعتذار، أضاف محسنات: الرصيع، صحة التقسيم، صحة المقابلات، التتميم، الإشارة، الإرداف، التمثيل، وتناول عيوبًا كالاستحالة والتناقض وغيرها.


المرحلة الخامسة: البلاغة في خدمة إعجاز القرآن والنقد التطبيقي على أسس بلاغية، ودراسات لبعض المتأدبين

- الرماني (ت 386هـ)  "النكت في إعجاز القرآن: جعل البلاغة على عشرة أقسام: الإيجاز، التشبيه، الاستعارة، التلاؤم، الفواصل، التجانس، التصريف، التضمين، البلاغة، حسن البيان، عرّف الإيجاز بأنه "تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى" وقسمه إلى حذف وقصر، وقسم التشبيه إلى حسي وعقلي.

- الباقلاني (ت 403هـ) "إعجاز القرآن" (أشعري): ردّ على فكرة "الصرفة" التي قال بها النظام المعتزلي، وجعل إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه لا في مفردات الألفاظ أو المعاني المجردة، ورفض أن تكون وجوه البديع وحدها دليلاً على الإعجاز.

- عبد الجبار الهمذاني (ت 415هـ) – المعتزلي: أكد أن الفصاحة لا ترجع إلى اللفظ وحده أو المعنى وحده، ولا إلى النظم بمعناه العام، وإنما المزية في ثلاثة أمور: اختيار الكلمات (الإبدال)، والتقديم والتأخير (الموقع)، وحركات الإعراب.

والذي كان نقداً تطبيقياً على أسس بلاغية: 

- ابن طباطبا (ت 322هـ) "عيار الشعر" : أعاد تقسيم ابن قتيبة للشعر إلى ما حسن لفظه ومعناه وما حسن أحدهما دون الآخر، وأشار إلى شعور شعراء عصره بضيق مسالك القول، وضع نظرية دقيقة في التشبيه (بالصورة والهيئة، باللون، باللون والصورة، بالحركة والهيئة). دعا إلى الوحدة العضوية في القصيدة: "تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة".

- الآمدي "الموازنة بين أبي تمام والبحتري": فصل الخصومة بين أنصار أبي تمام (الإفراط في البديع والتعمق الفلسفي) وأنصار البحتري (الطريقة القديمة مع شيء من التجديد)، وتناول السرقات الشعرية.

- القاضي الجرجاني "الوساطة بين المتنبي وخصومه": دافع عن المتنبي مع إنصاف خصومه، وتحدث عن الاستعارة والمبالغة، واشترط المناسبة بين المشبه والمشبه به.

والذي كان دراسة بعض المتأدبين: 

- أبو هلال العسكري (ت 395هـ) – "الصناعتين" : يبحث في صناعتي الكتابة والشعر، انتقد الجاحظ لأن حدود البلاغة عنده مبعثرة، جعل كتابه في عشرة أبواب، وبلغ بفنون البديع 35 فنًا، ونقل كثيرًا عن خاله أبي أحمد العسكري.

- ابن رشيق القيرواني (ت 463هـ) – "العمدة" : جمع ما كُتب قبله في صناعة الشعر ومسائله البيانية والبديعية، ورأى أن اللفظ والمعنى متلازمان، وعرّف المجاز: "أن يُسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه بسبب"، وكان من أوائل من نظروا إلى باب المجاز نظرة دقيقة، فجعل الاستعارة والكناية والمجاز المرسل والعقلي داخلة فيه.

- ابن سنان الخفاجي (ت 466هـ) – "سر الفصاحة": ردّ الفصاحة إلى أصلين: حسن السبك، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، وتناول علاقة اللفظ بالمعنى، وعيوب القافية، والسجع والازدواج، والتناسب بين الألفاظ (مراعاة النظير).


المرحلة السادسة: ازدهار الدراسات البلاغية 

بلغت البلاغة العربية ذروة نضجها مع عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، خاصة في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"

-في "دلائل الإعجاز": رفض أن تكون البلاغة قائمة على اللفظ وحده أو المعنى وحده، وضع نظرية النظم التي ترى أن سر البلاغة يكمن في ترتيب الكلمات وعلاقاتها النحوية وما ينشأ عنها من معانٍ إضافية، تناول قضايا المسند والمسند إليه، التعريف والتنكير، التقديم والتأخير، الذكر والحذف، الفصل والوصل، الإيجاز والإطناب، الاستفهام والقصر، وأكد أن الفصاحة ليست صفة ثابتة في الألفاظ، بل تنتج من حسن التأليف والصياغة، وجعل الذوق أداة أساسية لإدراك جمال البلاغة.

-في "أسرار البلاغة": وضع نظرية البيان، واهتم بتحليل الاستعارة والتشبيه والكناية والتمثيل، ودرس الاستعارة دراسة نفسية دقيقة، فقسمها إلى استعارة في الأسماء والأفعال، وإلى تصريحية ومكنية، وربط جمالها بما تحدثه من صور وتأثيرات في النفس، وأبرز قيمة التمثيل (الاستعارة التمثيلية) وأثره القوي في المدح والذم والاحتجاج والوعظ والاعتذار، لأنه ينقل المعاني العقلية إلى صور حسية قريبة من النفس فتكون أشد تأثيراً ومتعة.


المرحلة السابعة: التعقيد والجمود وتحوّل البلاغة إلى قواعد جافة

اتجهت البلاغة في هذه المرحلة بعد إدخال الفلسفة والمنطق والكلام في مباحثها، خاصة عند الفخر الرازي والسكاكي، ثم اختُصرت وتفرعت إلى شروح وحواشٍ لفظية عند القزويني ومن تبعه، كما توسّعت فنون البديع حتى غلب التكلف على الأدب، فأصبحت البلاغة قواعد جامدة بعيدة عن التعبير الحي، مما أدى إلى جمود البلاغة والأدب معاً.

ففي النهاية يعرض شوقي ضيف تطور البلاغة العربية من بدايات متفرقة إلى نظريات متكاملة، مع بيان العوامل الفكرية المؤثرة فيها.


قلم/ سارة المطيري 

X:sara2_s5

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحديات الناقد المعاصر: عرضٌ وتحليل.

العصر الجاهلي: عرضٌ وتركيب.

علم الأسلوب: عرضٌ وتركيب.