اتجاهات الشعر العربي المعاصر: عرضٌ وتحليل.

​ملخص كتاب اتجاهات الشعر العربي المعاصر للدكتور إحسان عباس.

يعد كتاب اتجاهات الشعر العربي المعاصر للدكتور إحسان عباس دراسة نقدية رائدة تتتبع تيارات الشعر العربي الحديث منذ منتصف القرن العشرين، وتحديداً خلال العقود الثلاثة الأخيرة من أربعينيات إلى سبعينيات القرن الماضي. 

إحسان عباس (1920–2003) من أبرز أعلام الدراسات العربية والإسلامية في القرن العشرين، وقد جمع في مسيرته العلمية بين النقد الأدبي والتحقيق والتأريخ الأدبي، فعُرف بسعة معارفه ودقة منهجه وعمق رؤيته.

ويتجاوز في الكتاب المناهج النقدية التقليدية التي تصنف الشعر وفق انتماءاته السياسية أو القومية ليختار منهجاً قائماً على تحليل المواقف الفكرية والنفسية الكبرى التي تحدد هوية الشاعر وتوجّه تجربته. 


–الفصل الأول: نظرة تاريخية.

يفتتح حديثه بالإشارة إلى الجدل الذي أثارته قصيدة "إلى زائرة" المنشورة في مجلة "الرسالة" عام 1940، ثم يتوقف عند قصيدة "من خريف الربيع" للشاعر محمود حسن إسماعيل، بوصفهما نموذجين يكشفان التوتر بين الذائقة النقدية التقليدية التي كانت تشترط الوضوح ووحدة البناء العضوي، وبين الاتجاهات الشعرية الجديدة القائمة على الرمز والإيحاء وتعدد الدلالات.

ومن هذا السياق ينتقل إلى رصد التحول الأبرز في مسيرة الشعر العربي الحديث، والمتمثل في ظهور حركة الشعر الحر على أيدي نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي، متأثرين بتجارب الشعر الإنجليزي الحديث، وقد تجلى هذا التحول في التحرر من نظام القافية الموحدة والبنية التقليدية للبيت الشعري، والاعتماد على شعر التفعيلة بوصفه شكلاً أكثر قدرة على استيعاب التجربة الشعرية الحديثة.

كما يولي اهتماماً خاصاً لمقدمة نازك الملائكة لديوان "شظايا ورماد" (1949)، باعتبارها وثيقة تنظيرية مبكرة سعت إلى تأصيل هذا الاتجاه الجديد، وربطت بين التجديد الشكلي والقدرة على التعبير بالإيحاء والرمز، ويعرض كذلك تباين المواقف تجاه مستقبل الشعر الحر؛ فبينما رأت نازك الملائكة في مرحلة لاحقة أنه لن يقضي تماماً على الأشكال الشعرية الموروثة، ذهب أدونيس إلى أن هذه الحركة لم تستكمل بعد أبعادها الثورية الكاملة.

ويختتم عرضه بالتأكيد على الدور الذي اضطلعت به المجلات الأدبية، مثل "أبوللو" و"الآداب" و"شعر" ، إلى جانب دور النشر، في ترسيخ هذا الاتجاه وتوسيع دائرة انتشاره، رغم ما واجهه من معارضة نقدية حادة من بعض رموز النقد التقليدي، وفي مقدمتهم العقاد. 


–الفصل الثاني: دلالة البواكير الأولى. 

يتناول نماذج من البواكير الشعرية لدى رواد الشعر الحر، محللاً قصائد لنازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي للكشف عن ملامح التجربة الجديدة، ففي شعر نازك الملائكة تبرز النزعة الرومنطيقية القائمة على الرمز والتحليل النفسي، بينما تتجلى عند السياب مشاعر الاغتراب والصراع الداخلي من خلال صور ومشاهد إيحائية، أما البياتي فيتجه إلى تصوير الواقع الاجتماعي ومعاناة الفقراء والمهمشين، ثم يعبر عن قضايا الاغتراب والقلق الوجودي المرتبطة بالإنسان المعاصر.

ويخلص إلى أن التجارب الأولى للشعر الحر ظلت في معظمها امتداداً للنزعة الرومنطيقية، إلا أن البياتي كان أكثر ميلاً إلى تجاوزها، إذ اتجه إلى تصوير مشكلات الفقر والتهميش والاغتراب، وطرح أسئلة تتصل بمعنى الوجود والهوية وموقع الإنسان في عالم مضطرب.


–الفصل الثالث: العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية. 

يناقش مجموعة واسعة من العوامل المؤثرة في تطور الشعر العربي الحديث، والتي تتوزع بين عوامل اجتماعية وسياسية وفكرية ونفسية، مثل قضية فلسطين، وحقوق المرأة، وتفكك البنية الأسرية، إلى جانب التيارات الفكرية والفلسفية كالماركسية والوجودية والسريالية، فضلاً عن التحليل النفسي، ودور المجلات الأدبية والجامعة، ونمو المدن الحديثة.

ومع ذلك، يؤكد أن العامل الحاسم في تشكيل التجربة الشعرية يظل مرتبطاً بشخصية الشاعر ذاته، وبقدرته على اختيار المؤثرات وصهرها داخل تجربته الفنية، وفي ضوء ذلك يرصد هيمنة النزعة الرومنطيقية على معظم الشعراء العرب، مثل نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وبلند الحيدري وأمل دنقل وفدوى طوقان، إضافة إلى محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد في مراحل لاحقة.

غير أنه يستثني بعض النصوص التي تجاوزت هذا الطابع، مثل قصيدة "عاشق فلسطين" لمحمود درويش، وقصيدة "تعال لنرسم معاً قوس قزح" لسميح القاسم، بوصفهما نموذجين لرومنطيقية مقاومة لا تنفصل عن الواقع، إنما تعيد تشكيل الحزن في إطار من الصمود والنضال بعد هزيمة 1967.

ثم ينتقل إلى مناقشة إشكالية تحويل الشعر إلى خطاب أيديولوجي مباشر، محذراً من مخاطر اختزال التجربة الشعرية في إطار عقائدي، ويستعرض في هذا السياق تنوع التأثيرات الفكرية، مثل الماركسية والوجودية، ومفهوم "القرين" في شعر سعدي يوسف وخليل حاوي، إضافة إلى التمايز بين الواقعية عند سميح القاسم والرومنطيقية عند يوسف أبو سنة.


–الفصل الرابع: الموقف من الزمن.

ينطلق من مقولة مفادها أن "موقف كل شاعر من الزمن هو مفتاح فهم شعره"، ثم يستعرض جملة من التصورات الفلسفية حول مفهوم الزمن لدى برجسون وبروست وهيدغر ومنكوسكي، بوصفها خلفية نظرية لفهم تجليات الزمن في الشعر الحديث.

وفي ضوء ذلك، يحلل نماذج شعرية متعددة؛ فترى نازك الملائكة أن الزمن قوة قاهرة مطاردة للإنسان، تتجسد في صور رمزية مثل الأفعوان والسمكة الميتة، حيث يعيش الإنسان صراعاً دائماً معه ومحاولة فاشلة للهرب منه، غير أنها تعوض هذا القلق عبر الفن، إذ يمنح الإبداع الشعري إمكانية خلق عوالم خالدة تتجاوز فناء الزمن.

أما بدر شاكر السياب فيتعدد لديه الوعي الزمني بين رؤى مختلفة؛ إذ يتجه أحياناً إلى استحضار الماضي بوصفه أفقاً لبعث الأمة، ويتحول أحياناً أخرى إلى الأسطورة كما في توظيفه لعشتار وتموز، بينما يهيمن عليه في مراحل أخرى هاجس المرض والموت، بما يجعله يعيش الزمن بوصفه تجربة وجودية مباشرة أكثر من كونه مفهوماً تأملياً.

ويختلف خليل حاوي عن السياب في نظرته إلى الماضي، إذ لا يراه ملاذاً بل عبئاً ثقيلاً، غير أنه يحتفظ بنبرة تفاؤلية قائمة على فكرة البعث والتحول، كما يتجلى في رمزيتي السندباد ولعازر.

أما أدونيس، فينفي وجود زمن مطلق، ويستبدله بفكرة الصيرورة المستمرة، حيث يلاحق زمناً لم يتشكل بعد، وقد تجسد ذلك في تحليله لقصيدة "صقر قريش" بما تحمله من تحولات تاريخية وذاتية.

في حين يقف محمود درويش في منطقة وسطى، إذ يمزج بين منطق الصيرورة والانفتاح على المستقبل وبين التمسك بثوابت الأرض والذاكرة بوصفها عناصر تأسيس للهوية.


–الفصل الخامس: الموقف من المدينة.

يناقش ظاهرة "صدمة الحضارة" التي يعاني منها الشاعر الريفي عند انتقاله إلى المدينة، بوصفها تجربة اغتراب ناتجة عن التحول السريع في نمط الحياة، وما يصاحبه من نفور من مظاهر الضجيج والسرعة والفقر والبيروقراطية، إضافة إلى رفض فكرة التقليد الأعمى للنماذج الشعرية الغربية.

وفي هذا السياق، يستعرض عدداً من النماذج الشعرية؛ إذ يقدم أدونيس صورة صادمة لدمشق بوصفها مدينة متدهورة، ويعمد إلى تفكيك رمزيتها التقليدية عبر تشبيهها بامرأة عاهرة، في محاولة لتقويض صورة المدينة القديمة تمهيداً لبناء تصور حضري جديد، أما عبد الوهاب البياتي فيقدم صورة متعددة الوجوه لبغداد، تتراوح بين الحبيبة والطفلة والساقية الخضراء، وصولاً إلى صورة سوداوية تعكس التحولات السياسية والاجتماعية، بوصفها مرآة للتاريخ العراقي.

وفي المقابل، يعيش بدر شاكر السياب حالة انقسام حاد بين جيكور، رمز القرية والأمومة والطفولة، وبين بغداد بوصفها فضاءً مضاداً، حيث تتحول العلاقة بينهما إلى صراع وجودي لم يكتمل بسبب موته المبكر، بينما يظهر أحمد عبد المعطي حجازي أكثر تصالحاً مع المدينة رغم ضيقه منها، إذ يتنقل بين الفضاءين الريفي والحضري محاولاً استبقاء ملامح القرية داخل المدينة.

أما محمد عفيفي مطر فيظل شديد الارتباط بالقرية بوصفها مرجعية وجدانية وأمومية، في حين يقدم أمل دنقل تصوراً واقعياً قاسياً للمدن المصرية مثل الإسكندرية والسويس، حيث تتجاور صور الجمال مع الدمار والمعاناة.

ويختتم هذا المحور بتحليل قصيدة "رأيت في عيونها" لأمل دنقل، بوصفها نموذجاً مكثفاً لصورة المدينة العربية المنهارة بما تحمله من توتر بين الجمال والدمّار. 


–الفصل السادس: الموقف من التراث . 

يتناول قضية محورية تتمثل في علاقة الشعر العربي الحديث بالتراث التاريخي والأسطوري، مستهلاً بتمييزه بين "الأسطورة التاريخية" والتاريخ بوصفه واقعاً، مشيراً إلى أن محاولات الثورة على التراث قد تُنتج بدورها أسطورة بديلة تُعاد صياغتها وفق رؤية الشاعر المعاصر.

وفي هذا السياق، تتباين مواقف الشعراء من التاريخ؛ إذ يتجه توفيق زياد إلى الاعتزاز بالتراث واستحضاره بوصفه مرجعية هوية، بينما يوظف محمود درويش الشخصيات التاريخية مثل صلاح الدين وخالد بن الوليد في مساءلة الحاضر ومحاكمته، أما سميح القاسم فيتأرجح بين الاعتزاز بالماضي والانفصال عنه في لحظة وعي نقدي مؤلم دون أن يبلغ حد القطيعة الكاملة مع التراث.

في المقابل، يتبنى أدونيس موقفاً أكثر حدة يقوم على رفض التراث التاريخي السلبي، ولا سيما في المرحلة الأموية، حيث ينتقد رموزه مثل معاوية والحجاج، مقابل تمجيد الشخصيات الثورية كالحسين وزيد، بما يعكس تعامله الانتقائي مع التاريخ وإعادة تشكيله بما يخدم رؤيته الشعرية.

وينتقل بعد ذلك إلى توظيف الأسطورة بوصفها أحد أكثر أشكال التعبير الثوري جرأة في الشعر الحديث، من خلال استلهام رموز مثل تموز وعشتار وأوزوريس والمسيح وبروميثيوس، وفي هذا الإطار، يُظهر بدر شاكر السياب انشغالاً كثيفاً بالأسطورة، لا سيما تموز والمسيح وعشتار، وصولاً إلى بناء أسطوري خاص يتجلى في قصيدة "حدائق وفيقة".

أما خليل حاوي فيسعى إلى تأسيس أسطورة جديدة تتجسد في صورة "السندباد" بوصفها رؤية مغايرة للتجربة الأسطورية عند السياب، ويخلص إلى أن الإفراط في توظيف الرموز والأساطير قد يؤدي إلى تقارب التجارب الشعرية وحدوث نوع من التكرار الدلالي، يتمحور غالباً حول ثيمات البعث والتجوال والعذاب.


–الفصل السابع: الموقف من الحب.

يبدأ بتناول إشكالية التمييز بين الحب والجنس في ضوء التصورات الفرويدية، متوقفاً عند تجربة نزار قباني بوصفه "شاعر الحب"، إلا أنه يقدم قراءة نقدية تُبرز الصراع في شعره بين الفعل الشعري بوصفه كتابة، والجسد الأنثوي بوصفه مصدر إغراء وتحول، فتصبح المرأة عنده قوة مهددة للتجربة الشعرية، ما يدفع الشاعر إلى تفكيك صورتها عبر التركيز على تفاصيلها الجزئية، مثل الجسد والحلي والملبس، بهدف تحويلها إلى مادة شعرية قابلة للتشكيل الفني. كما يتجلى هذا البعد النفسي في نصوصه ذات الطابع الاعترافي مثل "رسائل امرأة" و"مذكرات امرأة لا مبالية".

وفي المقابل، يقدم صلاح عبد الصبور تصوراً للحب مشوباً بالقلق والمرارة، إذ يرتبط الحب لديه بفقدان براءة الطفولة وبمشاعر الحزن والوحدة والموت، كما يتجسد في قصيدته "في ليلة صيف"، أما عبد الوهاب البياتي فينظر إلى الحب بوصفه قوة توحيدية تتجاور مع نقيضها (الكره)، ويتحقق عبر الترقب والبحث الدائم، كما في استدعائه لشخصيات مثل عائشة والفراشة.

في حين يرى أدونيس أن الحب الجسدي يمثل أفقاً لتحولات كونية تتجاوز البعد الإنساني التقليدي، حيث يتداخل الحب مع فكرة الموت بوصفهما تجليين لجوهر وجودي واحد، أما محمود درويش فيدمج بين الحبيبة والأم والوطن في وحدة رمزية متكاملة، تجعل من الحب تجربة وجودية شاملة تتجاوز الفردي إلى الجماعي.

وتبرز في السياق ذاته تجربتا فدوى طوقان وسلمى الخضراء الجيوسي، حيث يتخذ الحب عندهما طابعاً أنثوياً متردداً يتأرجح بين التعبير الخجول والحنين والأسى، متأثراً بإحساس عميق بالزمن والفقد والموت.


–الفصل الثامن: الموقف من المجتمع.

يطرح إشكالية تمثيل علاقة الشاعر بالمجتمع، متسائلاً عما إذا كان يمكن تفسيرها في إطار "صراع الفرد والمجتمع" أم عبر "صراع الطبقات"، ليخلص إلى أن التفسير الثاني أكثر اتساقاً مع مفهوم الالتزام الشعري، لما يحمله من بعد اجتماعي وسياسي أكثر عمقاً، وفي هذا السياق، يشير إلى الكتابات ذات الطابع الاجتماعي الواضح عند سميح القاسم بوصفها نموذجاً لهذا التوجه.

ثم يناقش مفهوم الالتزام في الشعر الحديث، مستشهداً برأي أحمد عبد المعطي حجازي الذي يرى أن "الالتزام ليس استجداء تصفيق"، مؤكداً أن الالتزام الحقيقي لا يقوم على الخطاب المباشر أو الشعاراتي، بل على مدى تطابق رؤية الشاعر مع قضايا الإنسان الوجودية والاجتماعية.

ويلاحظ في هذا السياق تراجع حضور السخرية في الشعر الحديث، باستثناء بعض النماذج مثل محمود درويش في قصيدته "مقامة إلى بديع الزمان" كما يتناول ظاهرة التصوف في الشعر الحديث بوصفها استجابة نفسية وفكرية لحالات الإحباط والقهر، حيث تتجلى في سمات مثل الحزن العام، والإحساس بالضياع، والتمسك بالقيم الروحية والسعي إلى الاتحاد بالعالم، وصولاً إلى الفناء في المحبوب.

ويختتم بالتأكيد على أهمية التراكم الثقافي والزمني في نضج التجربة الشعرية، منتقداً مظاهر التدفق الشعري السريع الذي يفتقر إلى العمق والتنوع، ويحول دون تشكل تجربة إبداعية متكاملة.


إذن، نجد أن الاتجاهات الشعرية الحديثة لم تتحدد بالتحول الشكلي فقط، إنما مواقف الشعراء الجوهرية من الزمن، المدينة، التراث، والحب، مع هيمنة نزعة رومنطيقية متجددة تجاوزت الذاتية إلى الالتزام والمقاومة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحديات الناقد المعاصر: عرضٌ وتحليل.

العصر الجاهلي: عرضٌ وتركيب.

علم الأسلوب: عرضٌ وتركيب.