بناء القصيدة: عرضٌ وتركيب.
ملخص كتاب بناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث ليوسف حسين بكّار.
يعد كتاب بناء القصيدة في النقد العربي القديم في ضوء النقد الحديث للدكتور والناقد يوسف حسين بكار دراسة نقدية تتناول بناء القصيدة العربية القديمة، مستنيرةً بمناهج النقد الحديث وأدواته التحليلية.
الدكتور يوسف حسين بكّار (1942م) ناقد أدبي وأكاديمي أردني بارز، ويُعدّ من أعلام النقد الأدبي الحديث في الأردن والعالم العربي.
الفصل الأول: نظم القصيدة
يتناول الأول مفهوم القصيدة العربية وبنائها، مستهدفًا الكشف عن تصورات النقاد القدماء لقضاياها الفنية، وموازنتها بالرؤى النقدية الحديثة، دون الاقتصار على التأريخ للنقد القديم أو إصدار أحكام عامة عليه، ويناقش طبيعة اهتمام النقاد القدماء بالقصيدة، مشيرًا إلى غلبة النظرة الجزئية التي ركزت على عناصر محددة، كالمعاني المفردة والوزن والقافية، دون النظر إلى القصيدة بوصفها بناءً فنيًا متكاملًا، وقد تجلى ذلك في مؤلفات نقدية بارزة في التراث، ويذكر إشكالية تعريف القصيدة وتحديد عدد أبياتها، ومكانتها في الموروث النقدي، وهيمنة القصيدة الجاهلية نموذجًا معياريًا أثّر في تقويم الشعر اللاحق وحدّ من بعض مظاهر التجديد في العصور العباسية والأندلسية.
وفي سياق متصل، يبحث الفصل في العلاقة بين الصناعة والموهبة الشعرية، موضحًا إدراك النقاد القدماء لأهمية الطبع والرواية والذكاء والدربة، إلى جانب الثقافة اللغوية والأدبية بوصفها مقومات للإبداع، وقد أكدوا أن معرفة علم العروض لا تخلق شاعرًا، بل هي أداة ضرورية لتصحيح القصيدة وتهذيبها بعد نظمها، ويتطرق إلى اختلاف أحوال النظم ومهيئات الإبداع من شاعر إلى آخر، كما يبرز تصورات القدماء لمراحل خلق القصيدة، مثل الإعداد والنظم والتنسيق، وإدراكهم لمفهوم الإلهام إلى جانب الجهد والصنعة، وقد أولى اهتمامًا خاصًا بمرحلة التنقيح ومراجعة القصيدة، مستشهدًا بمدرسة الحوليات في الشعر الجاهلي، كما ناقش قضية الضرورات الشعرية وانقسام النقاد حولها بين مجيز ومرفض، وذلك في إطار حديثه عن تهذيب القصيدة، وإلى أن النقد العربي القديم، على الرغم من غلبة الاهتمام بالجزئيات وتأثره بالتصورات اللغوية والفكرية السابقة، قد طرح قضايا أساسية تتصل ببناء القصيدة وشروط الإبداع الشعري، الأمر الذي يستدعي إعادة قراءته في ضوء المناهج النقدية الحديثة، للكشف عن إمكاناته النظرية وحدود تصوره للعمل الشعري.
الفصل الثاني: أركان القصيدة
يتناول الأركان الأساسية التي يقوم عليها بناء القصيدة العربية، وهي اللفظ والمعنى، ولغة القصيدة وأسلوبها، والوزن، والقافية، ويبدأ بقضية اللفظ والمعنى باعتبارها من أعقد القضايا النقدية القديمة، موضحًا أن النقاد القدماء تباينت مذاهبهم فيها؛ فمنهم من انتصر للفظ، ومنهم من انتصر للمعنى، ومنهم من تذبذب بينهما، ومنهم من فصل بينهما في تقسيمه للشعر إلى أضرب. غير أن الفئة الأكثر وعيًا وإقناعًا هي التي رأت الترابط التام بين اللفظ والمعنى، وعلى رأسها أحد النقاد القدماء الذي قامت نظريته على (النظم)، مؤكدًا أن الألفاظ خدم للمعاني، وأن تبعية اللفظ للمعنى لا تعني إلغاءه، بل ارتباطه به ارتباط الروح بالجسم، وهو ما يتقاطع مع مفهوم (الشكل العضوي) في النقد الحديث وعند بعض فلاسفة الجمال.
وينتقل بعد ذلك إلى لغة القصيدة وأسلوبها، مشيرًا إلى إدراك النقاد القدماء لخصوصية لغة الشعر التي يجب أن تظل في منأى عن لغة الحياة العامة، مع ضرورة تجانس اللغة داخل القصيدة الواحدة وتناسبها مع موضوعها، وقد أدرك أحد النقاد القدماء أهمية مواءمة الأسلوب للموضوع، كالمدح والغزل والرثاء، كما فرّق النقد الحديث بين الأسلوب التعبيري والتقريري، وهو ما يجعل الأسلوب التعبيري هو المفضل، وعرض النقاد لمسألة البديع في الأسلوب، مفرقين بين ما يخدم المعنى المطبوع وما يثقل القصيدة المتكلف، ثم يناقش ركن الوزن، موضحًا أن القدماء اهتموا بشروط الوزن الجيد كسهولته وتجنب المستكره، واختلفوا في مسألة اختيار الوزن والموضوع؛ فبينما رأى بعضهم أنه بيد الشاعر، ذهب آخرون إلى أن القصيدة تولد كاملة بوزنها وقافيتها نتيجة للمعاناة النفسية، وهو ما يتوافق مع آراء بعض النقاد المحدثين في ربط الوزن بالعاطفة والانفعال النفسي، كما تطرق إلى ظواهر الزحاف والترسيع وما تضيفه من تنويع موسيقي للقصيدة.
أما ركن القافية، فقد أبرز الفصل اهتمام النقاد بها وعلاقتها بالمعنى، مشيرًا إلى مفهوم الإرصاد عند أحد النقاد القدماء، أي ارتباط القافية بالفكرة ارتباطًا باطنيًا وتلقائيًا، وناقش عيوب القافية التي حذر منها النقاد كالإقواء والإكفاء والإيطاء والتضمين، والخروج على القافية الواحدة، ولزوم ما لا يلزم، مؤكدًا أن القافية لم تكن قيدًا ثقيلًا على الشاعر الموهوب، ويختتم بالحديث عن موسيقى القصيدة الداخلية، لا سيما النظام النبري والتنغيم، وهو ما كشف عنه المستشرقون وتابعتهم دراسات عربية حديثة، مؤكدًا أن القصيدة العربية لا تعتمد على النظام الكمي فقط بل على النبر أيضًا، وهو ما أدرك بعض القدماء جوانب منه في حديثهم عن جرس الألفاظ وتناغمها في السياق.
الفصل الثالث: هيكل القصيدة
يتناول الأجزاء الهيكلية التي تحيط بجوهر القصيدة، والمتمثلة في المطلع، ومقدمة القصيدة، والتخلص، والخاتمة، بالإضافة إلى قضية طول القصيدة، ويبدأ بالمطلع، مشيرًا إلى أن القدماء أولوه عناية كبيرة وعدوه مفتاح القصيدة ووجهها، ويوضح أن الشعراء المعاصرين انقسموا حوله؛ فمنهم من يراه أول ما ينظم، ومنهم من ينظم باقي الأبيات قبله، وقد وضع القدماء معايير صارمة للمطلع، منها أن يكون دالًا على ما بعده ومثيرًا لانتباه السامع نفسيًا، وأن يراعي قاعدة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فلا يبدأ بالبكاء والغزل في مقام المدح والتهاني إلا في المراثي، وأن يتجنب المآخذ النحوية واللفظية، وأن يحاكي مطلع القصيدة الجاهلية.
ثم ينتقل إلى مقدمة القصيدة الغزلية والطللية، مبينًا أن أحد النقاد القدماء كان أول من فسر هذه الظاهرة تفسيرًا نفسيًا، معتبرًا أن البدء بالديار والأطلال والغزل وسيلة لاستمالة قلوب السامعين وشد انتباههم قبل الدخول في الغرض الأساسي، وقد ثار جدل واسع حول هذه المقدمة؛ حيث رفضها بعض المحدثين وبعض المستشرقين، معتبرين إياها تعبيرًا عن قلق وجودي أمام الفناء والموت، غير أنه يرد على هؤلاء، مؤكدًا أن هذه التفسيرات تبالغ وتتجاهل الطبيعة الاجتماعية والتقليدية للشعر الجاهلي، مستدلًا بأن قصائد الرثاء والصعاليك خلت من هذه المقدمات لأنها لم تكن تناسب موضوعها، ولأن الإسلام غير المفاهيم الوجودية لكنه لم يلغِ هذه المقدمات في العصور اللاحقة، مما يؤكد أنها كانت تقليدًا فنيًا واجتماعيًا أكثر من كونها صرخة وجودية.
أما التخلص، فيعرضه الفصل كفن الانتقال من جزء إلى آخر، كالانتقال من الغزل إلى المدح، بسلاسة ودون انقطاع، وهو ما يدل على حذق الشاعر وطول باعه، ويشير إلى أن بعض النقاد فضلوا المحدثين على القدماء في حسن التخلص، لأن القدماء كانوا يستخدمون عبارات جاهزة، بينما جاء تخلص المحدثين أكثر دقة واندماجًا مع المعنى، وفي حديثه عن الخاتمة أو المقطع، يوضح أنها آخر ما يبقى في أذن السامع، لذا يجب أن تكون محكمة وقوية، وأن تتضمن حكمة أو مثلًا سائرًا أو تشبيهًا حسنًا، وأن تتناسب مع الغرض الشعري، مستشهدًا بحديث شريف، ويبين أن القدماء عرفوا قيمة الخاتمة واشترطوا فيها جمال اللفظ والمعنى، وتجنب ما يفسد صفو القصيدة.
وينتهي بمناقشة قضية طول القصيدة وقصرها، موضحًا أن القدماء فضلوا الإيجاز والبلاغة وتجنب الإطالة المملة والتكلف، وقد انقسم الشعراء بين مفضل للقصائد القصيرة لرواجها وسهولة حفظها وتأثيرها، ومفضل للقصائد الطويلة للفخر والمدح، أما النقاد، فقد ركزوا على مراعاة نفسية السامع بتجنب السأمة والملل، وعلى مطابقة طول القصيدة لمقتضى الحال، بالإطالة في المدح إذا تطلب المقام ذلك، والتوسط في مدح الملوك. كما تطرق الفصل إلى العلاقة بين الطول والوزن والقافية، مبرزًا أن القافية الواحدة قد تحد من طول القصيدة عند غير المتمكنين، بينما قد يلجأ بعض الشعراء إلى الأوزان والقوافي السهلة لتساعدهم على الإطالة، مؤكدًا في النهاية أن الطول بحد ذاته لا يضمن جودة القصيدة، بل قد يؤدي إلى الحشو والضعف إذا لم يكن المعنى هو الذي يفرضه.
الفصل الرابع: الوحدة في القصيدة
يتناول قضية الوحدة في القصيدة العربية، وهي من أهم القضايا النقدية التي شغلت النقاد قديمًا وحديثًا، ويبدأ بعرض جذور مفهوم الوحدة العضوية في النقد الغربي القديم، حيث أشار بعض الفلاسفة اليونانيين إلى أن أي عمل أدبي يجب أن يكون كالكائن الحي له جسم وأعضاء متناسقة، ثم تلقف فكرة أخرى أحد الفلاسفة وطبقها على المسرحية والملحمة، مؤكدًا أن الوحدة لا تعني التركيز على شخص واحد، بل على فعل واحد تام ومترابط الأجزاء، وينتقل هذا المفهوم إلى النقد الغربي الحديث، حيث أصبحت الوحدة العضوية تعني التكامل والترابط الحي بين أجزاء القصيدة، بحيث لا يمكن تغيير أو حذف جزء منها دون الإخلال بالكل، وتكون الأجزاء كلها خادمة لهدف واحد وانفعال واحد يسري في القصيدة.
وفي سياق تتبع أثر هذا المفهوم في النقد العربي الحديث، يوضح كيف تبنى عدد من النقاد المعاصرين مفهوم الوحدة العضوية، معتبرين إياها وحدة مشاعر وإحساس متصل، وليس مجرد وحدة موضوع، كما يشير إلى محاولات مبكرة لبعض النقاد الذين أدركوا أهمية الترابط بين أجزاء القصيدة عند تحليلهم لقصيدة لشاعر حديث، أما بالنسبة للنقد العربي القديم، فيؤكد الفصل أن القدامى أدركوا جوانب من الوحدة، لكنهم لم يصلوا إلى المفهوم العضوي الشامل؛ فقد تحدث أحدهم عن تأليف الشعر وتنسيق الأبيات والملاءمة بينها، ولكن ذلك كان في إطار الوصل الشكلي الصناعي وليس الترابط العضوي الصادر عن فكرة واحدة، وتحدث آخر عن اتصال أجزاء القصيدة مشبهًا إياها بخلق الإنسان، لكنه كان يتحدث في حدود التخلص من غرض إلى آخر، أما ناقد ثالث، رغم تأثره الشديد بفلسفة قديمة وتقسيمه للقصيدة إلى فصول وحديثه عن الوحدة التسلسلية أو الهندسية، إلا أنه كان ينظر إلى كل فصل كوحدة مستقلة، مما يجعله أقرب إلى وحدة البيت لا وحدة القصيدة، وفي المقابل رفض أحد النقاد فكرة بناء القصيدة بعضها على بعض، مفضلًا استقلال كل بيت بذاته، وهو مذهب ساد عند كثير من القدماء الذين نظروا إلى البيت الشعري كوحدة قائمة بذاتها.
ويفرد مساحة للنقاش الدائر حول غياب الوحدة العضوية في الشعر العربي القديم، مشيرًا إلى التفسيرات التي قدمها بعض المحدثين، ويرفض تفسير نظرية الأجناس التي تبناها بعضهم، والتي تزعم أن العقل العربي تركيبي يهتم بالجزئيات بينما العقل اليوناني تحليلي يهتم بالكليات، مؤكدًا أن هذه النظرية لا تستند إلى أساس علمي، كما يرفض التفسير البيئي الذي يربط غياب الوحدة بطبيعة حياة البداوة وتنقلهم، معتبرًا أنه تعميم غير دقيق، ولإثبات وجود الوحدة في الشعر القديم، يسوق نماذج تطبيقية دقيقة لقصائد عربية قديمة حققت الوحدة العضوية، مثل قصيدة رثاء لشاعرة قديمة، وقصيدة حوارية لشاعر غزلي، وقصيدة لشاعر عباسي، كما يخصص مساحة كبيرة لتحليل قصيدة عتاب لشاعر عباسي، مؤكدًا أنها نموذج رائع للوحدة العضوية في الشعر القديم؛ حيث جاءت القصيدة كتجربة عاطفية واحدة هي العتاب صبغت أجزاءها جميعًا، وتدرجت بشكل طبيعي، وخدمت صورها واستعاراتها هدفًا واحدًا، ويؤكد أن تقصير النقاد القدماء في رصد هذه الوحدة لا يعود إلى تقصير الشعراء، بل إلى تقصير النقاد في الاستقراء والتحليل، مع التأكيد على أن القدماء اهتموا بـالوحدة البيت واستقلاله، واعتبروا ظاهرة التضمين، أي ارتباط البيت بما بعده، عيبًا، وهو ما يتناقض مع مفهوم الوحدة العضوية للقصيدة ككل، بينما كان بعضهم أكثر وعيًا بأهمية الترابط، وإن كان أحدهم قد حصر نظريته في النظم في حدود الجملة والبيت.
إذن ...يكشف النقد العربي القديم وعياً جزئيًا بالقصيدة، ويطرح أسئلتها الكبرى دون استكمال رؤيتها العضوية.
تعليقات
إرسال تعليق