علم الأسلوب: عرضٌ وتركيب.

​ملخص كتاب علم الأسلوب للدكتور صلاح فضل.

يعد كتاب علم الأسلوب للدكتور صلاح فضل من أبرز المراجع النقدية في الأدب العربي، إذ يهدف إلى تأصيل علم الأسلوب وتأسيسه بوصفه منهجاً نقدياً تحليلياً حديثاً، مع بيان أدواته وإجراءاته التطبيقية في دراسة النصوص الأدبية وتحليلها.

صلاح فضل (1938 - 2022) أكاديمي، وناقد أدبي ومترجم مصري بارز، وأحد أبرز أعلام الأدب والنقد المقارن في العالم العربي. 

يعمل الكتاب على تأصيل الأسلوبية بوصفها نظريةً نقدية ومنهجاً تطبيقياً يُعنى بتحليل النص الأدبي انطلاقاً من لغته وبنيته الداخلية، ويصفها المؤلف بأنها "الوريث الشرعي للبلاغة العربية".


–المبادئ والاتجاهات المبكرة:

يرى أن نشأة علم الأسلوب في الغرب جاءت استجابةً لحاجة نقدية داخلية هدفت إلى تجاوز حدود الدراسات البلاغية التقليدية والبحث عن منهج أكثر قدرة على تحليل الظواهر التعبيرية في النصوص الأدبية، ومع ذلك، يؤكد أن البلاغة العربية القديمة قدمت نموذجاً رائداً في هذا المجال؛ إذ نشأت استجابةً لخصوصيات اللغة العربية والثقافة الإسلامية، واستفادت من الفلسفة والبلاغة اليونانية دون أن تفقد أصالتها أو استقلالها المنهجي، وقد أسفر هذا التفاعل عن ظهور تيارات بلاغية متعددة، من أبرزها: التيار الأدبي البياني، والتيار الكلامي المنطقي، والتيار المغربي الأرسطي، ويُعد تشارلز بالي المؤسس الفعلي لعلم الأسلوب، وقد تبلورت معالم مشروعه النظري بعد الدعوة إلى هذا العلم التي أطلقها جوستاف كوريتنج سنة 1866، ثم تجسدت بصورة منهجية في كتابه مقال في علم الأسلوب.

وقد قامت نظريته على جملة من المبادئ الأساسية أهمها التمييز بين "علم أسلوب اللغة" الذي يدرس وقائع التعبير بصورة عامة، و"علم الأسلوب الفردي" الذي يعنى بدراسة التعبير في علاقته بالمتكلمين ودوافعهم النفسية، كما ركّز بالي على مفهوم "القوة التعبيرية" أي دراسة القيم العاطفية والانفعالية الكامنة في اللغة والتي لا تكشف عنها الملاحظة السطحية، كذلك وسّع نطاق التحليل الأسلوبي ليشمل المستويات الصوتية والصرفية والمعجمية والنحوية والدلالية، مؤكداً أن اللغة تؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في سعي المتكلم إلى التأثير في الآخرين وفرض آرائه عليهم، وفي الجانب التطبيقي، اعتمد بالي على المقارنة والترجمة للكشف عن الخصائص الأسلوبية، انطلاقاً من أن بعض الظواهر التعبيرية لا تتجلى إلا من خلال مقارنتها بظواهر لغوية أخرى، كما اهتم بدراسة آليات التعبير وكيفية فقدان الإشارات التعبيرية لقوتها بفعل التكرار، لتتحول تدريجياً من التأثير العاطفي إلى الدلالة التصويرية المباشرة، واعتمد كذلك المنهج التزامني الذي يدرس اللغة في لحظة زمنية محددة دون تتبع تطورها التاريخي.

بينما انطلق فوسلير من مبدأ أساسي يتمثل في أن الأسلوب هو "حركة النفس" ، وأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، إنما تجسيد للروح الإنسانية، وأكد ضرورة التطابق بين المقولات النحوية والنفسية، إذ إن نضج النظام اللغوي واستقراره يتيحان للكاتب إمكانية إبراز ملامحه التعبيرية والشخصية بصورة أوضح، ويرى فوسلير أن هذا الأمر تحقق بوضوح في العصر الكلاسيكي الجديد، حيث أسهم اكتمال القواعد النحوية في صقل الأساليب الفردية للكتاب الكبار.

وسعى سبتسر إلى بناء جسر معرفي بين علم اللغة والأدب، انطلاقًا من إيمانه بأن الأدب يمثل الوثيقة الأكثر قدرة على الكشف عن روح الشعوب، وأن علم الأسلوب قادر على سد الفجوة القائمة بين الدراسات اللغوية وتاريخ الأدب، وقد تجلى ذلك في منهجه المعروف بالدائرة الفيلولوجية، الذي يقوم على الانتقال من التفاصيل الجزئية في النص إلى مركزه الداخلي، ثم العودة مرة أخرى إلى تفاصيل جديدة في حركة دائرية متصلة، تشبه حركة الكواكب حول الشمس، كما درس سبتسر ما أسماه "الباعث ذو الموضوعية المزعومة"، من خلال تحليل استخدام الروابط السببية في النصوص الأدبية للكشف عن الجذور النفسية والفكرية للكاتب، وتأثر في مراحله الأولى بالتحليل النفسي الفرويدي، قبل أن يتجه لاحقاً إلى دراسة القوالب الأيديولوجية في تاريخ الذاكرة البشرية، وعلى الرغم من الانتقادات التي وُجهت إلى منهجه بسبب اعتماده على الحدس والموهبة الذاتية في تحديد الظواهر الأسلوبية، فإنه يُعد إحدى أهم المحاولات المبكرة والجادّة لربط الدراسات اللغوية بتاريخ الأدب ونقده.

حدد أمادو ألونسو مهمة علم الأسلوب الأدبي في الإجابة عن سؤالين رئيسين: كيف يتكون العمل الأدبي ويتشكل في بنيته الكلية والجزئية؟ وما طبيعة اللذة الجمالية التي يثيرها؟ وانطلاقًا من مبدأ الوحدة العضوية، يرى أن النص الشعري الأصيل يخلو من أي عنصر زائد، فكل شكل يحمل معنى، وكل معنى يتجسد في شكل، حتى الإيقاع والموسيقى يعدان جزءًا من التنظيم الخلاق للعمل الأدبي.

وطوّر داماسو ألونسو التصور السوسيري للعلامة اللغوية، فاعتبر أن الدال ليس مجرد صورة سمعية، إنما طاقة نفسية مركبة تتداخل فيها المعطيات الحسية والانفعالية، كما رأى أن المدلول بنية مركبة يمكن تحليلها إلى مجموعة من المدلولات الجزئية، ومن هنا ميز بين "الشكل الخارجي" الذي يقوم على العلاقة بين الدال والمدلول من جهة الدال، و"الشكل الداخلي" الذي ينظر إلى العلاقة ذاتها من جهة المدلول، مؤكداً أن علم الأسلوب ينبغي أن يعنى بهذين الجانبين معاً، كما أكد مبدأ التزامن العضوي، الذي ينظر إلى القصيدة بوصفها نظاماً متكاملاً من القيم والعلاقات، تُدرس في إطارها التزامني بوصفها كيانا ًفنياً مستقلاً، ومع ذلك أقرّ بصعوبة الإحاطة العلمية الكاملة بجوهر العمل الأدبي؛ إذ إن التحليل العلمي، مهما بلغ من الدقة، يعجز عن القبض على فرادة النص، الأمر الذي يجعل الحدس أداة ضرورية في إدراك خصوصيته الجمالية، مع إمكانية تصنيف العناصر المشتركة بين النصوص المتشابهة.



–الإطار النظري لعلم الأسلوب:

يعود مفهوم الأسلوب في اللغات الأوروبية إلى الأصل اللاتيني Stilus الذي كان يعني "ريشة الكتابة"، ثم تطور مدلوله ليشير إلى طريقة الكتابة اليدوية، قبل أن يستقر في دلالته الحديثة بوصفه طريقة خاصة في التعبير اللغوي والأدبي، أما في اليونانية فإن لفظ Stylos يعني "العمود"، ومنه جاءت تسمية المتصوف "سيميون الأستيلي" الذي عُرف بإقامته فوق عمود، وفي اللغة العربية يدل لفظ "الاسلو" على الطريق والوجه والمذهب والفن، وقد قدم ابن خلدون تعريفاً دقيقاً ومتقدماً لهذا المفهوم حين عدَّه "المنوال الذي تُنسج فيه التراكيب، أو القالب الذي تُفرغ فيه"، بوصفه صورة ذهنية كلية للتراكيب المنتظمة، ويكشف هذا التصور عن وعي مبكر بالطبيعة التركيبية للأسلوب سبق ظهور المصطلح في النقد الأوروبي بقرون.

وقد شهد مفهوم الأسلوب في النقد الحديث تطورات متعددة، فالتصور الكلاسيكي كان ينظر إليه باعتباره إضافة زخرفية تُلحق بلغة محايدة مكتملة المعنى، بحيث يمكن تعزيز القول بالمحسنات البلاغية والتزيينات اللفظية، وقد ظل هذا الفهم سائداً في عصور ازدهار البلاغة التقليدية، وما تزال بعض آثاره تظهر في عدد من الدراسات الحديثة على الرغم من تعارضه مع الأسس اللغوية المعاصرة.

ثم برز مفهوم آخر يعد الأسلوب عملية اختيار من بين إمكانات لغوية متعددة، متأثراً بالنحو التوليدي التحويلي ووفق هذا التصور، يتجلى الأسلوب في سلسلة من الاختيارات تشمل الموضوع، والشفرة اللغوية أو اللهجة، والبنى النحوية، والاختيارات المعجمية، وصولاً إلى الاختيار الأسلوبي النهائي، غير أن هذا التصور تعرض للنقد؛ لأنه يفترض وجود وعي كامل بعملية الاختيار، في حين تكشف التجربة الإبداعية أن اللغة قد تسبق الفكرة أحيانًا، وأن الإيقاع والصوت والموسيقى الداخلية للنص قد تكون الشرارة الأولى للعمل الأدبي قبل تشكل المعنى بصورة نهائية، ومن هنا ميز بعض الباحثين بين قيم تعبيرية تصدر بصورة شبه لا شعورية، وقيم طباعية واعية ومقصودة ترتبط بالجوانب الجمالية والأخلاقية للنص.

وفي اتجاه آخر ارتبط مفهوم الأسلوب بالرؤية ومنظور الكاتب إلى العالم، كما تعبر عن ذلك المقولة الشهيرة: "الأسلوب هو الرجل نفسه" وقد أكد عدد من النقاد أن الأسلوب ليس مجرد تقنية أو حيلة لغوية، بل هو طريقة خاصة في إدراك الأشياء ورؤيتها، غير أن هذه الأقوال لا ينبغي أن تُفهم على أنها تعريفات نهائية للأسلوب، إنما بوصفها بيانات تفسر طبيعة العملية الإبداعية وعلاقة الأسلوب بشخصية المبدع ورؤيته.

وفي إطار هذا التوسع المفهومي، قدم جيراو تعريفاً للأسلوب بوصفه مظهراً للقول ينجم عن اختيار وسائل التعبير التي تحددها طبيعة المتكلم أو الكاتب ومقاصده، كما صنف الأساليب تبعاً لحدود التعبير ووسائله وطبيعته ومصادره ومظاهره المختلفة، فميز بين القيم العقلية والتعبيرية والانطباعية، وربط الأسلوب أيضاً بالعوامل النفسية والاجتماعية والوظيفية التي تسهم في تشكيله.

أما علم الأسلوب، فيُعرَّف بأنه دراسة طرائق التعبير عن الفكر من خلال اللغة، على أن مفهومي "الفكر" و"الطريقة" يتسعان ليشملا مختلف صور النشاط الإنساني، ويفرق هذا العلم بين التنويعات اللغوية العامة التي تعالجها اللسانيات الاجتماعية وبين الأسلوب الأدبي الخاص بالنصوص، الذي لا يمكن دراسته بمعزل عن عملية التواصل بين المؤلف والقارئ، ويقوم التحليل الأسلوبي على ثلاثة عناصر رئيسة هي: العنصر اللغوي، والعنصر النفعي المرتبط بالمؤلف والقارئ والظروف التاريخية، والعنصر الجمالي الأدبي المتصل بالتأثير والتفسير.

وترتبط نشأة علم الأسلوب بعلاقة وثيقة بالبلاغة، التي مرت في الفكر الغربي بمراحل متعددة، بدأت بوصفها فنًا للإقناع، ثم تحولت إلى مادة تعليمية، إلى علم للتصنيف والملاحظة، قبل أن تغدو مجموعة من القواعد المعيارية ذات الوظيفة الاجتماعية، ومع تغير المجتمع وتطور اللغة بوصفها ظاهرة إبداعية متجددة، فقدت البلاغة التقليدية كثيرًا من سلطتها، وتراجعت أطرها التقعيدية. 

وعلى الرغم من الصلة بين البلاغة وعلم الأسلوب، فإن بينهما فروقاً جوهرية؛ فالنحو والبلاغة ينطلقان من الظواهر المشتركة والمطردة في التعبير، في حين يهتم علم الأسلوب بالمقولات الفردية والخصائص الداخلية للنص، كما أن علم الأسلوب الحديث يتسم بطابعه الوصفي والمنهجي والمقارن، بينما اتسمت البلاغة العربية القديمة بالنزعة المعيارية والمنطقية، ولم تقدم تحديداً دقيقاً للمستويات اللغوية المختلفة ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي القيمة العلمية للتراث البلاغي العربي، الذي يقتضي إعادة قراءة ملاحظات الأقدمين في مباحث المعاني والبيان والبديع وإعادة تنظيمها ضمن البنية المنهجية الحديثة لعلم الأسلوب، بما يحقق التكامل بين التراث البلاغي العربي والمناهج الأسلوبية المعاصرة.


–مستويات البحث وإجراءاته:

تتحدد أهداف البحث الأسلوبي تبعاً لطبيعة الموضوع المدروس والغاية المرجوة من التحليل؛ إذ يمكن توظيف الإجراءات الأسلوبية في دراسة نص مستقل، أو مجمل إنتاج مؤلف بعينه، أو مجموعة من المؤلفين، أو تتبع تطور الأسلوب عبر مراحل زمنية مختلفة، كما يقتضي البحث التمييز بين دراسة الأدوات الأسلوبية العامة في لغة معينة وبين وصف الأسلوب الفردي لكاتب محدد؛ فالأولى تنصرف إلى الإمكانات التعبيرية المشتركة في اللغة، في حين تتجه الثانية إلى الكشف عن الخصائص التي تميز أسلوب مبدع بعينه.

ويؤكد الدارسون ضرورة أن يترك النص أثره الكلي في المتلقي قبل الشروع في التحليل؛ إذ يتطلب الفهم الأولي قدراً من الحساسية والحدس الجمالي، غير أن هذا الحدس لا يغني عن المنهج العلمي، إنما ينبغي أن تتبعه إجراءات تحليلية منظمة وقابلة للاختبار والنقد، ومن ثم يرفض الاتجاه الأسلوبي الحديث الاعتماد على التذوق الشخصي وحده؛ لأن الدراسة العلمية تستلزم تطبيق مبادئ وإجراءات عامة على النصوص، ولا يصح رفض مناهج التحليل بدعوى تفرد العمل الأدبي وخصوصيته.

وقد ارتبطت الدراسات الأسلوبية بمحاولة الكشف عن شخصية المؤلف من خلال أسلوبه، استناداً إلى المقولة الشهيرة التي ترى أن "الأسلوب هو الرجل نفسه"، وما تفرع عنها من تصورات تجعل الأسلوب تعبيراً عن العقلية أو عن طريقة رؤية العالم، ويُعد ليو سبتسر من أبرز من سعى إلى إقامة علاقة بين نفسية المؤلف وأسلوبه، متأثراً بالتحليل النفسي وعلم النفس التشكيلي، وقد ظهر هذا الاتجاه في دراسات ربطت بعض الصور المتكررة في أعمال الأدباء بتجاربهم الشخصية والظروف النفسية التي مروا بها، غير أن المنهج الأسلوبي يحذر من تحويل هذه العلاقة إلى حتمية صارمة؛ لأن غاية التحليل تبقى النص الأدبي ذاته، ولا يمكن رد قيمته الجمالية والفلسفية إلى البواعث النفسية للمؤلف وحدها.

ومن المناهج المهمة في الدرس الأسلوبي منهج الانحراف، الذي يقوم على النظر إلى الأسلوب بوصفه خروجاً عن قاعدة معينة، غير أن تحديد هذه القاعدة يثير إشكالات متعددة، إذ قد تكون القاعدة هي نظام اللغة نفسه، أو مستوى التعبير المحايد المفترض، أو الاستعمال اللغوي السائد اجتماعياً، أو المتوسط الإحصائي لظاهرة لغوية في مجموعة من النصوص، ويتخذ الانحراف صوراً متنوعة؛ فقد يكون انحرافاً عن قواعد اللغة أو عن الاستعمال الشائع، وقد يكون إيجابيًا يضيف قيودًا جديدة أو سلبيًا يخصص القاعدة ويقصرها. كما يمكن أن يكون داخليًا نابعًا من بنية النص نفسه أو خارجياً مقارنةً باللغة العامة، وأن يظهر في المستويات الصوتية أو الصرفية أو المعجمية أو النحوية أو الدلالية، كذلك قد يتصل بعملية التركيب أو بعملية الاختيار، وفق التمييز الذي أقامه جاكوبسون بين العلاقات السياقية والعلاقات الاستبدالية.

ويرتبط بهذا المنهج مفهوم التضاد البنيوي، الذي يقوم على رصد التناقضات والتقابلات داخل النص الأدبي، سواء في المعجم أو في الأساليب أو في الصور الفنية، ويعتمد التحليل هنا على تحديد البنية أو النمط المهيمن في النص ثم تتبع الانحرافات التي تخرج عنه وتفسير دلالتها في ضوء السياق العام للعمل الأدبي.

كما استفاد البحث الأسلوبي من الإجراءات الإحصائية والوظيفية، وذلك من خلال رصد تواتر الظواهر اللغوية في النص ومقارنتها بالمعدلات الشائعة في اللغة أو في النصوص المناظرة، غير أن الاعتماد على الإحصاء وحده قد يؤدي إلى نتائج مضللة؛ لأن بعض مظاهر التكرار ترتبط بطبيعة الموضوع أو الجنس الأدبي ولا تحمل بالضرورة قيمة أسلوبية، لذلك يقتضي التحليل التمييز بين التكرار الوظيفي الذي تفرضه طبيعة الموضوع أو المقام، والتكرار الأسلوبي الذي يكتسب دلالة جمالية أو تعبيرية ويكشف عن خصوصية البناء الفني للنص. 


–دائرة الخواص الأسلوبية:

يقوم مفهوم الدائرة الفيلولوجية عند ليو سبتسر على حركة تحليلية متدرجة تبدأ من المظاهر الخارجية والملامح السطحية للعمل الأدبي، ثم تنفذ إلى مركزه الداخلي الحيوي، أي إلى المبدأ الذي يمنحه تماسكه ووحدته أو إلى الرؤية الكامنة التي تصدر عنها عناصره المختلفة، قبل أن تعود مرة أخرى إلى تفاصيل أخرى في النص لإعادة تأويلها في ضوء هذا المركز، ولا تمثل هذه الدائرة دورانًا في المكان بقدر ما تعبر عن عملية ذهنية متحركة تتجاوز الفصل بين الكل والأجزاء، بحيث يدرك الباحث العمل الأدبي بوصفه بنية عضوية تتفاعل فيها عناصر النص المختلفة، وقد شبه سبتسر هذه العملية بالأسد الذي يلتف في دائرة ليمحو آثار خطواته ويضلل مطارديه، في إشارة إلى الطبيعة المعقدة للنص الأدبي وصعوبة الوصول إلى مركزه الداخلي، كما يؤكد أن المفتاح الذي ينجح في تفسير عمل أدبي معين لا يمكن تطبيقه آلياً على أعمال أخرى، بل إن كل نص يقتضي إعادة بناء دائرته الخاصة واكتشاف منطقه الداخلي من جديد، ومن ثم يتجلى العمل الأدبي في صورته النهائية كنظام شمسي تتخذ فيه روح المؤلف أو رؤيته موقع الشمس، في حين تدور حولها جميع العناصر الأخرى من لغة وشخصيات وحوادث وصور.

ومن جهة أخرى، قدمت مدرسة بالي تصوراً لدوائر الخواص الأسلوبية يقوم على تداخل مستويات متعددة من الاستعمال اللغوي، فاللهجة تمثل الدائرة الأولى، إذ يستخدم الفرد مستويات لغوية متباينة تبعًا للمواقف المختلفة؛ فهناك لغة الحياة اليومية الخاصة، ولغة العلاقات المهنية والاجتماعية، ولغة المناسبات الرسمية والخطابية. ويؤدي المزج بين هذه المستويات، بصورة واعية أو غير واعية، إلى إنتاج تنويعات أسلوبية متعددة، كما تتأثر اللغة بالطبقات والطوائف الاجتماعية، فلكل طبقة أو جماعة مهنية مفرداتها وتراكيبها الخاصة، الأمر الذي يستثمره الأدباء في رسم الشخصيات وتجسيد بيئاتها الاجتماعية.

وتتصل الخصائص الأسلوبية كذلك بالعصور والأمكنة؛ فلكل عصر ألفاظه المفضلة وتعابيره المميزة، وقد تستدعي بعض الكلمات أجواء تاريخية بعينها عندما ترد في سياق غير سياقها الزمني، كما أن لكل إقليم خصائصه اللغوية التي يمكن أن تؤدي وظيفة جمالية وتعبيرية في العمل الأدبي، ولا تنفصل اللغة أيضًا عن العمر والجنس والحالة النفسية؛ فالأطفال يمتلكون استعمالاتهم الخاصة، وتختلف مفردات النساء والرجال تبعاً لعوامل اجتماعية ونفسية وثقافية متعددة.

وتبلغ هذه الدوائر ذروتها في التمييز بين اللغة الأدبية واللغة العفوية؛ فاللغة الأدبية تمثل رصيداً متراكماً من الأساليب التي تراكمت عبر الأجيال والعصور، وأصبحت تمتلك معجمها الخاص وتعابيرها المميزة التي تمنحها خصوصيتها الفنية وتفصلها عن لغة التواصل اليومي.

وفي إطار دراسة الخواص الدلالية والتعبيرية، تبرز ثلاثة بواعث أسلوبية رئيسة يتمثل أولها في الباعث الصوتي الذي يظهر في المحاكاة المباشرة للأصوات أو في الإيحاءات الصوتية التي تستدعي تجارب حسية وانفعالية معينة، وتسهم في تشكيل النسيج الشعري للنص، ويتمثل الثاني في الباعث الصرفي الذي يتجلى في الصيغ والمشتقات ذات الطاقة التعبيرية، مثل صيغ التصغير والتحقير والسخرية والهزل، إذ تكتسب هذه الأبنية دلالات جديدة داخل السياق الأدبي، أما الباعث الثالث فهو الباعث الدلالي، الذي يرتبط بالإبهام والتعدد المعنوي، ويعد من أهم خصائص اللغة الأدبية؛ لأنه يضيف إلى الوظيفة الإخبارية للغة مستويات مركبة من الدلالات والإيحاءات.

ويتخذ الإبهام صوراً متعددة، فقد ينشأ عن الاشتراك اللفظي أو عن الغموض النحوي، سواء ظهر بصورة ضمنية أم صريحة، ولا يمثل هذا الإبهام عيبًا في النص الأدبي، بل يؤدي وظائف فنية متعددة، منها إبراز الأفكار، وتعميق الدلالات، وتجسيد الشخصيات، والكشف عن جوانب أساسية في بنية العمل الأدبي.

كما تؤدي خبرة القارئ وتوقعاته دوراً محورياً في عملية التلقي الأسلوبي؛ فالحكم على الأسلوب ليس مطلقاً، إنما يتأثر بالأفق الثقافي والجمالي الذي ينتمي إليه المتلقي، ويتضح ذلك في تلقي الموشحات الأندلسية، التي بدت في عصرها خروجاً على الأنماط العروضية المألوفة، فاستقبلها بعض المتلقين بالرفض، في حين يستطيع القارئ المعاصر، بفضل اتساع خبرته الجمالية، إعادة بناء نظامها الأسلوبي وتذوق خصائصها الفنية، وينطبق الأمر نفسه على الشعر الحر؛ إذ إن القارئ المعتاد على الأشكال الشعرية المجددة يتعامل معه بقدر أكبر من التسامح والتفهم، ومن ثم فإن المعنى الأسلوبي لا يتحدد بخصائص النص وحدها، إنما ينشأ من التفاعل بين بنية النص وخبرة القارئ وأفق توقعه الجمالي.


إذن... هل نجح المؤلف فعلاً في تأصيل الأسلوبية عربياً أم بقي أسير المصطلحات الغربية؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحديات الناقد المعاصر: عرضٌ وتحليل.

العصر الجاهلي: عرضٌ وتركيب.