العصر العباسي الأول: عرضٌ وتركيب

​ملخص كتاب تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الأول للشوقي ضيف.

يُعدّ كتاب العصر العباسي الأول ثالث الكتب ضمن سلسلة تاريخ الأدب العربي التي ألّفها شوقي ضيف.

شوقي ضيف (1910-2005) أديب والناقد واللغوي المصري البارز، صاحب المشروع الموسوعي في توثيق الأدب العربي وتأريخه.

وقد نهج المؤلف في هذا الكتاب المنهج التاريخي الفني التكاملي الذي لا يكتفي بعرض النصوص الأدبية وتراجم الشعراء والكتّاب، إنّا يسعى إلى ردّ الظواهر الأدبية إلى أصولها السياسية والاجتماعية والفكرية، وتفسير تطورها في ضوء التحولات الحضارية الكبرى.

وقد صرّح شوقي في مقدمته بأن هذا الجزء المخصص للعصر العباسي الأول كان من الطبيعي أن يبدأ بدراسة الحياة العباسية التي فرضت نفسها على الأدباء العباسيين، مشيراً إلى أنه درس الحياة السياسية وما جرى فيها من نظم وظروف وأحداث، ثم درس دراسة نقدية تاريخية أعلام الشعر في العصر، محاولاً رسم شخصياتهم الأدبية وأثرهم في تطور الشعر العربي وتجديده.


الفصل الأول: الحياة السياسية

-الثورة العباسية

يفصل الحديث عن الثورة العباسية، فيرصد تحول الدعوة العباسية من السرية في الكوفة إلى التنظيم الميداني في خراسان بقيادة أبي مسلم الخراساني، ويبين أن السخط على الأمويين في أوساط الموالي والفرس كان وقود الثورة، وأن أبا مسلم تمكن من إعلانها والسيطرة على خراسان ثم الزحف نحو العراق، وجرت مبايعة أبي العباس السفاح وهزم مروان بن محمد، ثم تعقبوه حتى قُتل في مصر، مع تعقب الأمويين وتصفية نفوذهم.

-بناء بغداد ثم سامراء

وينتقل إلى الحديث عن بناء بغداد وسامراء، فيوضح أن أبا جعفر المنصور اختار موضع بغداد لأسباب جغرافية وعسكرية واقتصادية، وشرع في تشييد المدينة المدورة ذات الأبواب الأربعة وقصر الذهب والجامع، فأضحت مركز الخلافة وعاصمة العالم الإسلامي، ثم يذكر أن كثرة الجند الأتراك في عهد المعتصم وما أثاره وجودهم من احتكاك بأهل بغداد دفعته إلى بناء سامراء ويصف تخطيطها العمراني وقصورها وجامعها الكبير بملويته الشهيرة، مبيناً أنها ظلت دار الخلافة حتى عودة المعتمد إلى بغداد.

-النظم السياسية والإدارية

وفي معرض تناوله النظم السياسية والإدارية، يبين ضيف أن الدولة العباسية جمعت بين التقاليد العربية والفارسية والبيزنطية، وأن منصب الوزارة نما حتى صار صاحبه الرجل الأول بعد الخليفة، ويتتبع الدواوين المركزية ووظائف الولايات والشرطة والقضاء والحسبة والحجابة، وعلاقة ذلك كله بظهور طبقة الكتاب وأثرها في تطور النثر العربي.

-العلويون والخوارج

ثم يعالج قضية العلويين والخوارج، فيذكر أن العلويين ظلوا ينظرون إلى أنفسهم أحق بالخلافة، فاندلعت ثوراتهم في عهد المنصور، وفي عهد الهادي، كما امتد نفوذ بعضهم إلى المغرب، ويعرض لثورات الخوارج المتتابعة في المشرق والمغرب وقيام دولهم، ويبين أثر هذه الثورات في زعزعة الاستقرار السياسي.

-أحداث مختلفة

ويختم بأحداث مختلفة، منها النزاع بين الأمين والمأمون بعد وفاة الرشيد وما جره من حرب أهلية وانتصار المأمون، ثم فتنة خلق القرآن التي بدأها المأمون واستمرت في عهدي المعتصم والواثق وأوقفها المتوكل، ويتعرض لثورة بابك الخرمي وثورة الزنج وما صاحبهما من اضطرابات عسكرية واجتماعية، مبيناً أن هذه الأحداث كلها تركت بصماتها على الحياة الأدبية والثقافية في العصر العباسي الأول.


الفصل الثاني: الحياة الاجتماعية

-التحولات الاجتماعية الكبرى

يؤكد أن المجتمع العباسي الأول شهد تحولات عميقة نجمت عن الامتزاج الحضاري بين العرب والشعوب المفتوحة، ولا سيما الفرس، بعد انتقال الخلافة إلى العراق، وقد غلبت الحضارة الساسانية على مظاهر العمران والفكر، فصار المجتمع مترفاً باذخاً منقسماً بين طبقة حاكمة غارقة في النعيم وطبقات شعبية تعاني البؤس، ويرى أن هذا الانقسام الطبقي كان من أبرز سمات العصر، وقد انعكس لاحقاً على الأدب والفكر.

-الحضارة والثراء والترف

يعرض مظاهر الثراء الفاحش الذي عمّ الدولة بفضل أموال الخراج والجزية، وقد انعكس هذا الثراء على الطبقة الحاكمة في الإسراف في بناء القصور المزخرفة، واقتناء البسط والستائر الحريرية، وتشييد البساتين والنوافير، ويشير إلى أن هذا الإغداق المالي الهائل على الشعراء والمغنين والعلماء كان عاملاً رئيساً في نهضة العلوم والآداب والفنون، لكنه في الوقت نفسه كرّس ثقافة الترف والمجون، كما يذكر أن مجالس المسامرة والندماء والمضحكين أصبحت وسيلة مهمة للتقرب إلى الخلفاء والوزراء.

-الرقيق والجواري والغناء

يخصص مبحثاً لظاهرة الرقيق والجواري التي كثرت كثرة مفرطة بسبب الحروب وتجارة الرقيق، ويلاحظ أن الإسلام دعا إلى تحرير الرقيق، فوصل بعضهم إلى مناصب رفيعة، لكن الجواري كنّ أكثر عدداً، وكنّ من أجناس متعددة، وثقّفن بفنون الأدب والشعر والغناء، ويبرز المؤلف أثر الغناء في المجتمع العباسي، إذ انتقل من الحجاز إلى العراق وازدهر في بغداد، وظهر مغنون كبار، ويرى ضيف أن هذا الغناء الراقي رفع أثمان الجواري المغنيات، وكان عاملاً فعالاً في تهذيب المشاعر وإرهاف الأذواق ونشر الظرف والرقة.

-المجون

ويتناول ظاهرة المجون التي انتشرت نتيجة وراثة المجتمع الساساني لأدوات اللهو، وساعدت عليها الحرية المسرفة التي أتاحتها الثورة العباسية، وقد أقبل الناس على شرب الخمر، واجتهد فقهاء العراق في تحليل بعض الأنبذة، فشربها الخلفاء والعامة، ويرى أن الخلفاء أنفسهم كانوا في مقدمة المدمنين، وأن الشعراء تهافتوا على وصف الخمر، كما انتشر الغزل المكشوف والتعلق بالغلمان، وتحولت الأديرة إلى حانات، وظهرت الأعياد كفرصة للهو، ويشير إلى أن هذه الظواهر كانت انعكاساً لانحلال أخلاقي في بعض الأوساط، لكنها لم تعمّ المجتمع كله.

-الشعوبية والزندقة

يعالج الحركة الشعوبية التي نشأت رداً على تعالي الأمويين على الموالي، إذ أخذ الفرس يفخرون بحضارتهم ويطعنون في العرب، ويرى أن الشعوبية لم تكن مجرد نزعة فخر، بل كانت تعبيراً عن صراع حضاري واجتماعي، وإلى جانبها انتشرت الزندقة المتمثلة في المانوية والديصانية والمرقيونية، وقد شعر المهدي بخطورتها فأنشأ ديواناً لتعقب الزنادقة، وقُتل رؤوسهم، ويؤكد أن المعتزلة تصدوا لهم بالمناظرة، وأن المأمون كان يحضرهم إلى مجلسه لدفعهم بالحجة، فإن أصروا أمر بقتلهم.

-الزهد

يختتم ببيان أن موجة الترف والمجون قوبلت بتيار زهدي قوي، إذ ظل كثير من الناس على الكفاف، وعمرت المساجد بالعباد والنساك، وازدهر الوعظ والقصص الديني، ويستعرض أعلام الزهاد، ويشير إلى ظهور مقدمات التصوف، وهنا يُبرز رأياً منهجياً مهماً، إذ يرفض الربط السطحي بين التصوف الإسلامي والبوذية أو المانوية أو المسيحية، ويرى أن الأقرب أنه تأثر بالمصادر الإسلامية الخالصة، من آيات الخوف والرجاء وأحاديث الذكر والتفكر، مع وجود تأثير عام للرهبان المسيحيين في بعض جوانب الزهد، دون أن يكون ذلك أصلاً له.


الفصل الثالث: الحياة العقلية

-الامتزاج الجنسي واللغوي والثقافي

يؤكد أن الدولة العباسية ضمت شعوباً متباينة في الجنس واللغة والثقافة، لكنها سرعان ما امتزجت بالعنصر العربي امتزاجاً قوياً بفعل السكنى والمصاهرة وتسرّي الإماء والولاء، حتى غدا العرب الخُلّص نادرين في بغداد، وامتد ذلك إلى الخلفاء أنفسهم، وقد صاحب هذا المزج الدموي مزج لغوي وثقافي، فشاعت الفارسية في المجتمع حتى بين بعض العرب، ودخلت ألفاظ فارسية وهندية وبيزنطية إلى العربية، لكنها لم تُفسدها، بل اتسعت العربية وتحولت من لغة البدو إلى لغة حضارية مع الحفاظ على مقوماتها النحوية والصرفية، بفضل حراسة علماء اللغة الذين عدّوا اللحن من الكبائر، ويشير إلى انصهار عناصر من الحضارات الفارسية والهندية واليونانية في الثقافة العربية، مع دور النصارى واليهود في الحياة اليومية.

-الحركة العلمية

ويرى أن الإسلام أذكى جذوة المعرفة، فازدهرت الحركة العلمية في العصر العباسي، وقد تدرّج التعليم من الكتاتيب إلى حلقات المساجد التي كانت ساحات العلم الكبرى، وتخصصت حلقاتها في الفقه والحديث واللغة والنحو والكلام، وقد أثمر ذلك ظاهرتين: كثرة العلماء المتخصصين، ونشوء طائفة من المثقفين الموسوعيين، ويبرز عوامل النهضة العلمية: إغداق الخلفاء والوزراء على العلماء، واستخدام الورق وانتشار الوراقين وإنشاء دار الحكمة ومكتبات الأفراد ودكاكين الكتب، وتحوّل مجالس الخلفاء إلى ندوات علمية تكفل فيها حرية الرأي والنقاش، ويؤكد أن المعرفة تغلغلت في جميع الأوساط، وقاد الحركتين العلمية والأدبية صفوة من أبناء العامة.

-علوم الأوائل: نقل ومشاركة

يستعرض حركة الترجمة التي بدأت ضيقة في العصر الأموي ثم اتسعت بفضل عناية الخلفاء، وازدهرت في عهد الرشيد والبرامكة، وبلغت ذروتها في عهد المأمون، وقد نُقلت كتب اليونان في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والموسيقى، وكتب الفرس والهند، وفي هذا السياق يعرض رأياً منهجياً مهماً: أن العقل العربي لم يكن ناقلاً فحسب، بل مضى يسوغ هذه الثقافات ويتمثلها ويضيف إليها إضافات باهرة، فأصبح في العصر العباسي الأول عقلاً متفلصفاً وعقلاً علمياً بالمعنى الإيجابي، لا مجرد متلقٍ سلبي.

-العلوم اللغوية والتاريخ

يُفرد مبحثاً للعلوم اللغوية التي نشأت لحماية العربية من اللحن، فانبرى علماء البصرة والكوفة يجمعون اللغة من ينابيعها الصافية في البادية، مشترطين عدم الأخذ عن الحضريين، ويعرض الأجيال من علماء المدرستين، مقارناً بينهما، وهنا يتجلى نقد المنهجي للرواية وتمييزه بين الثقات والوضّاع، وفي النحو يرى أن الخليل بن أحمد هو الواضع الحقيقي لعلم النحو بصورته النهائية، وقد استعان بمعرفته بالمنطق والرياضيات، ووضع أول معجم عربي، بينما مثّل الفراء تجسيد الخلاف بين مدرستي الكوفة والبصرة، وفي التاريخ، يذكر تطور الكتابة من السيرة النبوية إلى الطبقات ثم التواريخ العامة.

-العلوم الدينية وعلم الكلام والاعتزال

يتناول العلوم الدينية من حديث وتفسير وفقه وكلام، ففي الحديث، تطوّر التصنيف من المسانيد إلى التبويب الفقهي، ونشأ علم الرجال لحماية السنة من الوضع، وفي التفسير، اعتمد الأوائل على المأثور، ثم نشأت علوم قرآنية متعددة، وفي الفقه، يبرز تياران رئيسيان: مذهب أبي حنيفة القائم على القياس العقلي، ومذهب مالك القائم على الحديث والاستنباط، ثم توسط الشافعي فوضع أصول الفقه، واستقل ابن حنبل بمذهب رابع يقدّم الحديث.

ثم ينتقل إلى علم الكلام الذي بلغ أوجه في هذا العصر، ويركّز على المعتزلة الذين دافعوا عن التوحيد والعدل الإلهي، واعتمدوا أصولاً خمسة، ويعرض أشهر فرقهم، مع توضيح أفكار كل فرقة ومواقفها الفلسفية، ويُلاحظ سردُ هذه المذاهب بوضوح ودقة، مع إشارته إلى أن اعتزال المأمون جعل الاعتزال عقيدة رسمية للدولة، مما كان له أثر عميق في الحياة الفكرية والأدبية.


الفصل الرابع: ازدهار الشعر

-ملكات الشعراء اللغوية

يستهل ببيان أن البادية ظلت تمد الحاضرة بشعراء ذوي سليقة عربية أصيلة، تحول كثير منهم إلى معلمين للناشئة، في مقابل شعراء حضر اكتسبوا السليقة عبر ما جمعه اللغويون من شعر قديم ولغة، حتى غدوا لا يقلون عن شعراء البادية فصاحة، ويرى أن لعلماء اللغة فضلاً كبيراً في تشكيل الملكة اللغوية لشعراء الحضر، إذ عرضوا عليهم نماذج الشعر القديم، وجعلوها مدار إملاءاتهم ومحاضراتهم، حتى صار الشعر القديم الأم الغاذية لكل شاعر عباسي.

غير أنه ينتقد موقف اللغويين من شعر المحدثين، إذ كانوا يسقطونه لمجرد حداثته، ويختمون الشعر بالعصر القديم، ويرفضون الاعتراف بجودة شعر العباسيين، ويعتبر أن هذا الموقف خطأ في التقويم، إذ الجودة الفنية لا تقاس بالقدم والحداثة، لكنه في الوقت نفسه يقرّ بأن لهذا الموقف أثراً إيجابياً، إذ جعل شعراء العصر يتغذون بالشعر القديم ويتمثلون أساليبه.

ويعالج قضية دخول الألفاظ الفارسية في الشعر العباسي، منتقداً الرأي القائل بأن الفارسية أضرّت بالعربية، إذ يرى أن النصوص لا تسند هذه الدعوى، فالشعراء كانوا يسوقون الألفاظ الفارسية تملحاً وتظرفاً، ولم تتحول إلى ظاهرة عامة، ويؤكد أن السليقة العربية كانت أقوى من أن تُنتقص.

وينتهي إلى أن احتكاك الشعراء باللغويين واهتداءهم إلى السليقة العربية دفعهم إلى محاكاة القدماء أولاً، ثم مكنهم من ابتداع أسلوب المولدين الذي يتوسط بين جزالة القدماء ورقة المحدثين، وهو أسلوب يحافظ على مقومات اللغة الصرفية والنحوية، وينتفي عنه ألفاظ العامة المبتذلة كما تنتفي عنه ألفاظ البدو الحوشية، ويعد بشار بن برد في طليعة من أرسوا هذا الأسلوب، ثم تتابع الشعراء على هذا النهج حتى بلغ ذروته عند أبي تمام.

-طوابع عقلية دقيقة

يرى أن شعر العصر العباسي الأول امتاز بطوابع عقلية دقيقة، كانت نتيجة طبيعية للازدهار العلمي، ولاتصال الشعراء بحلقات العلماء والمتكلمين، وانكبابهم على كتب الفلسفة والمنطق والكلام، وقد تعددت منابع هذه الثقافة، فكان للثقافة الهندية والفارسية واليونانية أثر واضح في الشعر، وخاصة الثقافة اليونانية التي فتحت أبواب الفكر الفلسفي والمنطق، وبعثت في الشعراء محاولة استكشاف دفائن المعاني.

ويؤكد أن الشعراء لم يكونوا مجرد متلقين، بل كانوا يردون على فلاسفة اليونان ويشتقون لهم آراء جديدة يدعمها العقل.

ثم يعرض نماذج تطبيقية لهذه الطوابع العقلية عند عدد من الشعراء، مبيناً أثر مجالس المعتزلة والمتكلمين في تكوينهم الشعري، وما ظهر في شعرهم من قضايا الجبر والاختيار والتولد والجوهر الفرد والكمون.

-التجديد في الموضوعات القديمة

يعرض كيف جدد الشعراء العباسيون في الموضوعات القديمة، ففي المديح لم يكتفوا بالمثل الخلقية الرفيعة كالكرم والشجاعة، بل أضافوا إليها مثالية الحكم وما ينبغي أن يقوم عليه من الأخذ بدستور الشريعة وتقوى الله والعدالة، فكانوا صوتاً يهتف في آذان الحكام بما ينبغي أن يكونوا عليه، ويلاحظ أن قصيدة المديح في هذا العصر سجلت الأحداث والفتن والحروب، كما أن دقة الشعراء الذهنية جعلتهم يلاءمون بين المدائح والمدوحين.

أما الهجاء، فيرى أنه تطور تطوراً أعمق بعد أن ضعف فن النقائض لزوال العصبيات القبلية، وعمت فيه روح جديدة تهدف إلى تطهير المجتمع من المثالب الخلقية، ولم يتورع الشعراء عن هجاء الخلفاء والوزراء كلما انحرفوا عن الجادة، واستمدوا من الحضارة باباً جديداً هو وصف القذارة والدنس. واتسع الرثاء فشمل المدن والطير والحيوان والبساتين، وظهرت ضروب جديدة كرثاء المدن عند نزول الكوارث بها، وتفنن الشعراء في استنباط معانٍ نادرة في مراثيهم، مع تأملات في حقائق الموت وسنن الوجود، وانقسم الغزل إلى عفيف وصريح، واتسعت موجة المجون ووصف الخمر التي أصبحت موضوعاً مستقلاً، وقابل ذلك انتشار شعر الزهد الذي كان أكثر اتصالاً بحياة الجماهير.

-موضوعات جديدة

يؤكد أن الشعراء العباسيين لم يكتفوا بتجديد الموضوعات القديمة، بل استحدثوا موضوعات جديدة لم تكن معروفة من قبل، فقد أفردوا الشيم العربية الخلقية بمقطوعات وقصائد مستقلة، ووقفوا طويلاً عند واجبات الأخوة والصداقة واختيار الأصدقاء وسبر أخلاقهم، ونهوا عن صحبة الحمقى.

ومن أبرز الموضوعات الجديدة التي يرصدها: وصف القصور في الحاضرة بدلاً من أطلال نجد، والحنين إلى الأوطان، ووصف الطبيعة الحضرية ببساتينها ورياضها وأمطارها، مع مخاطبة عناصرها كأنها أناسي تحمل عواطف الإنسان، ووصف مظاهر الحضارة المادية من طعام وملبس وقصور، ووصف الأمراض والآفات، وشكوى الزمن والهموم التي صارت موضوعاً أساسياً منذ هذا العصر، ووصف مشاعر العمى، وتصوير الغيرة وما تتضمنه من معان نفسية، وتصوير حياة البؤس والشقاء التي كانت تعانيها جماهير الشعب، والطرديات، وروح الهزل والتندير التي شاعت في مجالس الخلفاء.

ويختم هذا المبحث بالحديث عن فن الشعر التعليمي الذي استحدثه العباسيون دون أصول قديمة، ودفع إليه رقي الحياة العقلية، وقد نظم الشعراء في السيرة والفقه والأدب والعلوم، ودخلت شعاعات هذا الفن إلى بيئات المتكلمين.

-التجديد في الأوزان والقوافي

يختم بالإشارة إلى أن التجديد لم يقف عند الموضوعات والمعاني، بل شمل الأوزان والقوافي أيضاً، إذ استحدث الشعراء أوزاناً جديدة وأدخلوا تغييرات على الأوزان القديمة، وجددوا في القوافي، وكان ذلك انعكاساً للروح التجديدية التي عمت الشعر العباسي في جميع جوانبه.


الفصل الخامس: أعلام الشعراء

-بشار بن برد

يتناول بشار بن برد بوصفه أول أعلام الشعراء في العصر العباسي الأول، مبيناً أنه وُلد بالبصرة في أوائل العقد العاشر من القرن الأول الهجري، لأب فارسي وأم رومية، وقد وُلد أعمى فلم يرَ الدنيا قط، وقد نشأ في بني عقيل، وتبدّى أعواماً طويلة حتى اكتسب السليقة العربية الخالصة، حتى غدا كأنه عربي أصيل، وأشاد به اللغويون طويلاً، ويرى أن بشاراً كان في طليعة من أرسوا الأسلوب المولد الجديد، الذي يتوسط بين جزالة القدماء ورقة المحدثين.

وقد اتصل بشار بمجالس المعتزلة، وخاصة مجالس واصل بن عطاء، واستمع إلى ما يجري فيها من حوار بين أصحاب الملل والنحل، فأثر ذلك في شعره، وجعله يتناول قضايا الجبر والاختيار وغيرها من المسائل الكلامية، ويشير إلى أن كثرة اختلافه إلى هذه المجالس أثرت في عقله، وقد كانت شعوبيته صارخة، إذ كان يفتخر بانتسابه إلى الفرس والروم ويطعن في العرب، وقد اتسعت أغراضه الشعرية، فنظم في المديح والهجاء والغزل والرثاء، وكان هجاؤه لاذعاً، وتبادل الهجاء مع حماد عجرد الذي اتهمه بالزندقة، وكان ذلك من أسباب مقتله في عهد المهدي.

-أبو نواس

ينتقل إلى أبي نواس، واسمه الحسن بن هانئ، وقد وُلد بالأهواز، ونشأ بالبصرة، ويبرز المؤلف تكوينه اللغوي الاستثنائي، فقد تتلمذ على خلف الأحمر، وأقام في البادية حولاً كاملاً، وحفظ كثيراً من الشعر، ويبرز تمكنه من اللغة وفصاحته.

وقد انتقل أبو نواس إلى بغداد واتصل بالخلفاء والبرامكة، وكان نديم الأمين، وقد تميز شعره بالخمريات التي تفنن فيها، وفي وصف مجالس الشراب ودنانها وندمائها وسقاتها، وكانت شعوبيته نابعة من شغفه بالخمر والحضارات الأجنبية، وكان يتقن الفهلوية ويستخدم الألفاظ الفارسية في خمرياته تعابثاً ومجوناً، ويؤكد أن أبا نواس تأثر بالثقافات الهندية والفارسية واليونانية، وظهر ذلك في أشعاره التي تضمنت أفكاراً كلامية وفلسفية، وكان يحاور المعتزلة في قضايا كلامية، وقد نظم أيضاً في الزهد، وله زهديات يعود فيها إلى نفسه ويعاف ما تردى فيه من فسق ومجون، وتوفي في أواخر القرن الثاني الهجري.

-أبو العتاهية

يتناول أبا العتاهية، واسمه إسماعيل بن القاسم العنزي، وقد وُلد بالكوفة، ونشأ في بيئة فقيرة، وقد تميز أبو العتاهية بشعر الزهد الذي اتخذ فيه مذهباً خاصاً، إذ عكف على الحكمة الفارسية والهندية واليونانية، مما أفضى به إلى تنويع واسع في أشعار الزهد والمواعظ والأمثال، ويرى أن شعره كان سهلاً رقيقاً يميل إلى الحكمة والموعظة، ويتناول الزهد في الدنيا والتذكير بالموت والآخرة، وقد نظم مزدوجته ذات الأمثال.

ويشير إلى أن أبا العتاهية تأثر بالثقافات المترجمة، وكان من طبقة بشار وأبي نواس في إرساء الأسلوب المولد، وقد انتقد من كان يميل إلى الأسلوب القديم، وتوفي في بغداد.

-مسلم بن الوليد

يخصص مبحثاً لمسلم بن الوليد الأنصاري، مبيناً أنه كان شاعراً مقلّاً لكنه من المفلقين المستخرجين للطيف المعاني بحلو الألفاظ، وقد أكثر من البديع وتبعه الشعراء فيه. ويرى المؤلف أن مسلم بن الوليد كان يميل إلى البناء الشعري المحكم والتجديد في المعاني مع التدقيق الشديد فيها والإكثار من ألوان البديع، وقد تأثر بالثقافات المترجمة، وكان شعره يجمع بين الجزالة والرصانة تارة، وبين الرقة والعذوبة تارة أخرى. ويعدّه ضيف من الشعراء الذين يمثلون تيار التجديد في العصر، وإن لم يبلغ شأو بشار وأبي نواس وأبي تمام، وكان له دور في تطور الشعر خاصة في مجال المعاني والأخيلة، وأثر فيمن جاء بعده من الشعراء.

-أبو تمام

يختم الفصل بأبي تمام، واسمه حبيب بن أوس الطائي، وقد وُلد بدمشق أو بحمص، ونشأ في بيئة فقيرة، واتصل بالخلفاء والوزراء وخاصة المعتصم، ويرى أن أبا تمام امتزج شعره بالفلسفة امتزاجاً رائعاً، وأصبح من أبرز شعراء البديع والمعاني والأخيلة البارعة، وقد تأثر بالثقافة اليونانية والفلسفة، وكان يختلف إلى مجالس المتكلمين، وتظهر في شعره أفكارهم ومصطلحاتهم.

ويشير إلى أن أبا تمام كان شديد التمسك بالجزالة والرصانة، مما جعل شعره صعباً في بعض الأحيان، وقد نظم في المديح والرثاء، وله قصائد طويلة في وصف المعارك والفتوحات. ويؤكد المؤلف أن أبا تمام كان يمثل قمة الأسلوب المولد في الشعر العباسي، إذ جمع بين جزالة القدماء ورقة المحدثين، وأضاف إلى الشعر معاني جديدة وأخيلة مبتكرة.


الفصل السادس: شعراء السياسة والمديح والهجاء

-شعراء الدعوة العباسية

يستهل هذا الفصل بدراسة شعراء الدعوة العباسية الذين سخّروا شعرهم لخدمة الدولة العباسية وتثبيت شرعيتها، مبيناً أنهم كانوا خالصين للبيت العباسي، يمضون في مدائحهم ينفون الإمامة عن أبناء علي بن أبي طالب ويقررون أنها حق خالص للعباسيين، ويغلفون الخلفاء بهالة من القدسية والجلال، ويصورونهم على أنهم أولياء الله في أرضه، وأن طاعتهم واجبة والخروج عليهم مفسدة، ويرى أن هؤلاء الشعراء استطاعوا بذلك أن يرسخوا في أذهان العامة شرعية الدولة العباسية، وأن شعرهم كان أداة سياسية فعالة في الصراع بين العباسيين والعلويين.

ويعرض عدداً من أبرز هؤلاء الشعراء، مبيناً مكانتهم وصلتهم بالخلفاء، وما اتسم به شعرهم من الجمع بين المدح والهزل أو من الإخلاص للدولة العباسية، كما يتناول صلاتهم بالبرامكة ودورهم في الحياة الأدبية.

-شعراء الشيعة

ينتقل إلى شعراء الشيعة الذين وقفوا شعرهم في خدمة الدعوة الشيعية، مبيناً أنهم كانوا ينقسمون إلى فرق مختلفة، ولكل فرقة عقائدها وأئمتها، وقد ظل هؤلاء الشعراء يقاومون العباسيين سراً وجهراً، وكانوا ينظمون في مناقب آل البيت وفضائلهم، وفي رثاء قتلاهم، وخاصة الحسين بن علي ومن تلاه من الأئمة المقتولين. ويلاحظ أن الزيدية حوّلوا نشاطهم إلى خراسان والطالقان، أما الإمامية فلم يشهروا السيوف في وجوه بني العباس، بل جعلوا التقية مبدأ أساسياً في نحلهم، واتخذوا الدعوة السرية وسيلتهم في جمع الناس من حولهم بالكوفة.

ويعرض أبرز شعراء الشيعة، مبيناً اتجاهاتهم الفكرية ومواقفهم السياسية، وما اتسم به شعرهم من تمجيد آل البيت ورثائهم، أو من استعمال التقية والمواقف السياسية المتباينة، كما يبرز ما تميز به بعضهم من الهجاء الشديد للخلفاء والوزراء، وما امتاز به بعضهم من العناية بالألفاظ والمعاني.

-شعراء البرامكة

يخصص مبحثاً لشعراء البرامكة الذين مدحوا هذه الأسرة الفارسية النافذة، مبيناً أن يحيى بن خالد البرمكي كان عاقلاً حصيفاً يحسن السياسة وتدبير الحكم والنهوض بشؤون الثقافة، فمضى يصبغ نظم الدولة السياسية والإدارية بالصبغة الساسانية، وشجع على الترجمة لكنوز الثقافات الهندية واليونانية والفارسية، وبعث نهضة فكرية واسعة، وفتح أبوابه للشعراء والمغنين وأسبغ عليهم هو وابناه الفضل وجعفر العطايا الجزيلة.

ويعرض نماذج من هؤلاء الشعراء، مبيناً صلاتهم بالبرامكة ودورهم في مدحهم، كما يشير إلى أن الشعراء ظلوا يتناشدون مدائح الفضل وأخيه وأبيه منذ تولي الرشيد الخلافة حتى نكبتهم، وكان طبيعياً أن يبكيهم الشعراء لما أغدقوا عليهم من النعم والصلات.

-شعراء الوزراء والولاة والقواد

يستعرض شعراء الوزراء والولاة والقواد الذين مدحوا رجال الدولة من غير الخلفاء والبرامكة، مبيناً أنهم كانوا يصفون شجاعة هؤلاء الرجال وكرمهم وحسن سياستهم، ويعرض نماذج منهم، مبيناً مكانتهم في الحياة السياسية والأدبية ودورهم في مدح رجال الدولة.

-شعراء الهجاء

يختتم الفصل بمبحث شعراء الهجاء الذين برعوا في هذا الفن، مؤكداً ما سبق أن قرره في الفصل الرابع من أن الهجاء تطور في العصر العباسي تطوراً عميقاً، إذ كان يتصل بحياة الشعب والعامة اتصالاً أدق من اتصال المديح، وعمت فيه روح جديدة تهدف إلى تطهير المجتمع من المثالب الخلقية، ولم يتورع الشعراء عن هجاء الخلفاء والوزراء. ويعرض نماذج منهم، مبيناً تنوع أساليبهم واتجاهاتهم، ويشير إلى أن دعبل كان من أكبر شعراء الهجاء في عصره، إذ لم يسلم منه أحد، فقد هجا الخلفاء والوزراء والقواد والأهل والأصدقاء، وكان هجاؤه يقذع ولا يراعي حرمة ولا مقاماً.


الفصل السابع: طوائف من الشعراء

-شعراء الغزل

يرى أن الغزل في العصر العباسي انقسم إلى اتجاهين رئيسيين: غزل عفيف بريء، وغزل صريح ماجن، ويعد العباس بن الأحنف أبرز ممثلي الاتجاه الأول، فقد اتخذ الغزل العفيف مذهباً خاصاً به، مبتعداً عن الفحش والمجون السائدين في عصره، وقد تميز شعره بالرقة والعذوبة والصدق العاطفي، وتغنى بالحب النقي البعيد عن الحس، أما ربيعة الرقى فكان من شعراء الغزل الماجن، إذ مال إلى الوصف الحسي والصريح، واتخذ من الغزل وسيلة للتعبير عن مشاعره دون تقيد بحدود العفة، وكان ضمن جماعة المجون.

-شعراء المجون والزندقة

يعرض هذا التيار المنحرف الذي تجاوز حدود الدين والأخلاق، مبيناً أن أصحابه كانوا يتخذون من الزندقة غطاءً لمجونهم، ويتجمعون في مجالس الخمر واللهو، ويبرز من هؤلاء عدد من الشعراء الذين اتهموا بالزندقة واشتهروا بالمجون، وتبادل بعضهم الهجاء، وكان بعضهم يؤلف الكتب في تأييد الإلحاد والزندقة، وانتهى أمر عدد منهم بالقتل على يد المهدي.

-شعراء الزهد

يقابل تيار المجون بتيار الزهد الذي كان أكثر اتصالاً بحياة الجماهير، إذ عاشت الطبقات الشعبية حياة دينية مستقيمة يشيع فيها النسك والعبادة، وظهرت في هذا العصر تباشير التصوف الأولى. ويعرض نماذج من شعراء هذا الاتجاه، مبيناً أثر الزهد والموعظة والتذكير بالآخرة في شعرهم، وما اتسم به شعرهم من البساطة والصدق.

-شعراء الاعتزال

يخصص مبحثاً لأثر المعتزلة في الحياة الشعرية، إذ كان الشعراء يختلفون إلى مجالسهم ويتأثرون بأفكارهم ومصطلحاتهم، وينظمون في القضايا الكلامية والفلسفية دفاعاً عن مذهبهم ورداً على خصومهم، ويبرز من شعراء هذا الاتجاه عدد من المتكلمين والشعراء الذين جمعوا بين الثقافة الأدبية والكلامية، ويشير إلى شغف المعتزلة بالعقل، وإلى أثرهم في توجيه الحياة الفكرية والسياسية في العصر العباسي.

-شعراء النزعات الشعبية

يختم الفصل بدراسة التيار الشعبي القريب من عامة الناس، مبيناً أن أصحابه كانوا يصورون حياة العامة ومعاناتهم، ويستخدمون لغة بسيطة قريبة من لهجاتهم، مع ميل إلى السخرية والنقد الاجتماعي، ويعد أبو الشمقمق من أبرز ممثلي هذا التيار، وقد تميز شعره بالسخرية اللاذعة والنقد الاجتماعي، إذ كان يصور حياة البؤس والشقاء التي يعانيها جماهير الشعب من جور الحكام والطبقة المترفة، مما أكسبه مكانة خاصة في قلوب العامة.


الفصل الثامن: تطور النثر وفنونه

-تطور النثر

يؤكد أن النثر العباسي الأول شهد تطوراً كبيراً وتنوعاً في فنونه، متأثراً بكنوز الثقافات والآداب الأجنبية المنقولة إلى العربية، وقد نشطت الخطابة الدينية وما اتصل بها من وعظ وقصص، واستحدث المتكلمون فن المناظرات، وازدهر النثر الديواني وما يتصل به من رسائل سياسية وعهود ووصايا وتوقيعات، كما حبر الكتاب رسائل إخوانية وأدبية خالصة تناولت عواطف الأفراد وحللت النفس الإنسانية، وحاكى بعضهم كليلة ودمنة قاصداً التربية السياسية والاجتماعية، ويحدد أعلام كتاب العصر وهم: ابن المقفع، وسهل بن هرون، وأحمد بن يوسف، وعمرو بن مسعدة، وابن الزيات.

-الخطب والوعظ والقصص

يرى أن المساجد كانت الساحة الأساسية لهذه الفنون، وقد ازدهر فيها الوعظ الملتحم بالقصص للعظة والعبرة، وتكامل هذا الازدهار في العصر العباسي حتى صار في كل ركن حلقة لواعظ يذكر بالله واليوم الآخر، وظهرت في هذا العصر تباشير التصوف في عدد من الشيوخ والنساك.

وهنا يعرض رأياً نقدياً مهماً، إذ يرفض ربط المستشرقين الزهد الإسلامي بالزهد المسيحي أو البوذي، مبيناً أن الزهد المسيحي يقوم على فكرة الخطيئة وتعذيب الجسد، بينما الإسلام لا يقر هذه الفكرة وينهى عن العزوبة ويقر حق البدن، والأقرب أن تكون نزعة التصوف نشأة مستقلة، إذ لا يكاد يخلو دين من نزعة روحانية تفضي إلى الزهد والانقطاع عن الدنيا.

-المناظرات

يعدّ المناظرات فناً نثرياً مستحدثاً نفذ إليه المتكلمون ورقوا به رقياً بعيداً، وكانت تجري في المساجد ومجالس الخلفاء والوزراء بحرية تامة، حتى إن آراء الزنادقة كانت تعرض للمناقشة العقلية المخلصة، وقد جعل المأمون من مجلسه ندوة علمية كبرى يتحاور فيها الفقهاء والمتكلمون والعلماء من كل صنف، ويستشهد المؤلف بمجالس متعددة جمعت أصحاب الملل والنحل المختلفة، كما كانت مجالس المتفلسفة والأطباء عامرة بالنقاش والمناظرة.

-الرسائل الديوانية والعهود والوصايا والتوقيعات

يخصص هذا المبحث لبيان ازدهار النثر الديواني بمحاكاة الدواوين الساسانية، فكان ديوان الرسائل تصدر عنه رسائل الخلفاء، وبجواره ديوان الخاتم، وديوان التوقيع للنظر في المظالم والرقاع، وقد جارى الخلفاء والوزراء ملوك الفرس في التوقيعات الموجزة البليغة، كما أنشئ ديوان الخبر والبريد لإحصاء أخبار الولايات، وألفت كتب المسالك والممالك.

ويرى أن العباسيين أخذوا عن الساسانيين نظام الوزارة، فجعلوا الوزير مستشاراً أول للخليفة، وكان أكثرهم من الفرس، وتولى البرامكة أمور الدولة سبعة عشر عاماً صبغوها فيها بصبغة فارسية خالصة حتى نكبتهم الرشيد، ثم تولى الفضل بن سهل ذو الرياستين في عهد المأمون، مع اتخاذ تقاليد ساسانية في اللباس والمراكب. ويؤكد المؤلف أن الخلافة تحولت بذلك إلى ملك عضوض يقوم على الاستبداد والقهر والبطش.

-الرسائل الإخوانية والأدبية

يختم الفصل ببيان ازدهار الرسائل الإخوانية والأدبية، إذ حبر الكتاب رسائل تناولت أغراض الشعراء وعواطف الأفراد، ودبج بعضهم رسائل أدبية خالصة حللت النفس الإنسانية، وحاكوا كليلة ودمنة للتربية السياسية والاجتماعية، ويبرز خصائص أعلام هذا الفن، إذ تنوعت أساليبهم بين العناية بالصور والتنميق، والإتقان والاقتصاد في التعبير، وحسن القول وجزالة اللفظ، ويؤكد أن الرسائل أصبحت فناً نثرياً مستقلاً يتنافس فيه الكتاب، وتنوعت أغراضها بين المشاعر والمواساة والتهنئة والاعتذار والوصف والحكمة والنقد، وأثرت في الأجيال اللاحقة وأسهمت في إثراء العربية وتطوير أساليبها.


الفصل التاسع: أعلام الكتاب

-ابن المقفع

يستهل هذا الفصل بابن المقفع بوصفه أبرز كتاب العصر العباسي الأول، مبيناً أنه نقل إلى العربية أروع ما تحمل لغته من ذخائر فارسية وغير فارسية، وكتب رسائل إخوانية وأدبية بديعة، ويرى أن ابن المقفع كان يجمع بين ثقافات متعددة: العربية والإسلامية والفارسية والهندية واليونانية، إذ دأب على التثقف بكل ما استطاع من الآداب الفارسية وما ترجم إلى لغته من الهندية واليونانية، وقد كان للثقافة الفارسية الحظ الأكبر في نقله.

ويشير إلى أن ابن المقفع نقل من الأدب الأخلاقي الفارسي مادة غزيرة، وعمد إلى خير أثر هندي في لغته وهو كتاب كليلة ودمنة فنقله إلى العربية، كما نقل عن اليونانية كتباً في المنطق، ويلاحظ أن ابن المقفع كان من رؤوس الزنادقة الذين قتلهم المهدي، وقد اتهمه المنصور بالزندقة فقتله.

-سهل بن هرون

ينتقل إلى سهل بن هرون، مبيناً أنه كان فارسياً يتصل نسبه بدست ميسان، وكان من صنائع البرامكة، وقد استند إليه المأمون في الإشراف على بعض خزائن بيت الحكمة، ويشير إلى أن سهلاً كان يتعصب على العرب تعصباً سراً، وصنف في ذلك كتباً كثيرة، وقد أفنّ سهل في كتابة رسائل قصصية وأخرى أدبية وإخوانية، مع العناية بالازدواج وجمال الصور والأداء، وكان يكتب في الدواوين، وعُني بالازدواج والترادف والموسيقى في كتاباته، فكان له أثر كبير في تطور النثر العربي.

-أحمد بن يوسف

يخصص مبحثاً لأحمد بن يوسف بن صبيح الكاتب الكوفي مولى بني عجل، مبيناً أن أباه كان يكتب في دواوين الكوفة لولاة بني أمية، ثم التحق بدواوين العباسيين، ولمع نجمه في عصر الرشيد والبرامكة، وقد عني أبوه بتأديبه عناية واسعة كي يصلح للعمل في الدواوين، فأخذه بثقافة عربية دقيقة، وبثقافة إسلامية واسعة، وبثقافة رياضية تعينه في شؤون الخراج، وبثقافات العجم المتصلة بآداب السياسة وكتب الفلسفة والحكمة، وبآداب اللياقة والخط، وعلى هذا النحو أعدّ أحمد ليكون مثالاً للكاتب الحاذق النابه.

ويبرز الخصائص الأسلوبية لأحمد بن يوسف، إذ برع في كتابة الرسائل الديوانية والإخوانية، مضفياً على أساليبه كل ما يستطيع من صور التنميق، وكانت بلاغته تعتمد على غزارة في الفكر وبراعة في الأداء، وخاصة في الرسائل السياسية، إذ تأنق في ألفاظها وعباراتها، وبذلك أسبغ عليها ضروباً من الجمال الموسيقي لم تكن مألوفة قبله، ويعدّه الذروة من كتاب الدواوين في العصر العباسي الأول، إذ هو الذي أعدّ هذا الأسلوب ليشيع في الكتابات الديوانية.

-عمرو بن مسعدة

يتناول عمرو بن مسعدة، مبيناً أن أسرته اتصلت بالدعوة العباسية، واستخلصه خالد البرمكي للكتابة، وظل يعمل في دواوين الدولة، وقد عُني بتأديبه حتى يصلح للكتابة، فتثقف ثقافة عربية وإسلامية واسعة حتى غدا لساناً فصيحاً وشاعراً ينظم الشعر، وأحسن شؤون الفقه مما يتصل بالخراج، ووقف على العلوم الرياضية، كما وقف على آداب الفرس وكتاباتهم في السياسة والأخلاق وتدبير الحكم.

ويشير إلى أن عمراً حرص على الإتقان والاقتصاد المسرف في التعبير، وكان من كتاب الرسائل الديوانية المهرة، وله رسائل تدل على براعته في الإيجاز والبلاغة، وقد كان من المقربين إلى المأمون وولي وزارته، وكان من أغنى وزراء الدولة.

-ابن الزيات

يختم الفصل بابن الزيات، وهو محمد بن عبد الملك بن أبان الزيات، وكان من كبار الكتاب والوزراء في العصر العباسي، وقد ولي الوزارة للمعتصم والواثق، ويلاحظ أن رسائل ابن الزيات لم تدر في كتب الأدب كثيراً، مع كثرة ما يدور فيها من رسائل موجهة إليه، ويظهر أنه وكل في وزارته للحسن بن وهب كتابة الرسائل الديوانية والرد عليها، ومن القليل الذي احتفظت به الكتب عهده للواثق على مكة.

ويرى أننا نلتقي عند ابن الزيات بأسلوب ابن مسعدة المبني على الإيجاز والاقتصاد في القول من جهة، وعلى التأنق في التعبير من جهة ثانية، تأنقاً يجره إلى السجع، غير أنه لم يكن يعمد إلى السجع دائماً، فقد احتفظ له ابن عبد ربه برسالة تخلو من السجع. وقد عُني ابن الزيات بحسن القول وجزالة اللفظ، وتوفي في آخر ربيع سنة 233هـ.


إذاً... يمكن أن نقول قيمة الكتاب لا تكمن في تأريخه للعصر العباسي فحسب، إنمّا كشفه كيف يصوغ تحوّلُ الإنسان والمجتمع والعقل تحوّلَ الأدب نفسه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تحديات الناقد المعاصر: عرضٌ وتحليل.

العصر الجاهلي: عرضٌ وتركيب.

علم الأسلوب: عرضٌ وتركيب.